الأخبار

إثيوبيا تصعّد ضد أسمرا والقاهرة.. اتهامات بـ«حرب وكلاء» لزعزعة استقرار البلاد

الإعلام الرسمي الإثيوبي يضع التقارب المصري–الإريتري في قلب التصعيد الإقليمي ويتهم البلدين بدعم جماعات مسلحة.. والاتهامات تتزامن مع تحذيرات قائد الجيش من تدخل «قوى أجنبية»

 أديس أبابا | برق السودان

دخل التوتر المتصاعد في القرن الأفريقي مرحلة جديدة، بعدما اتهم الإعلام الرسمي الإثيوبي مصر وإريتريا بالعمل معاً عبر جماعات مسلحة وحروب بالوكالة لإضعاف الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا، في تصعيد ينقل الخطاب الإثيوبي من التركيز على أسمرا بصورة منفردة إلى الحديث عن «اصطفاف» إريتري–مصري في مواجهة إثيوبيا.

ونشرت وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية ENA، في 26 سبتمبر، مادة بعنوان «اصطفاف القاهرة–أسمرا: تغذية صراع الوكلاء في القرن الأفريقي»، زعمت فيها أن التنسيق بين العاصمتين يسهم في دعم التمرد والجماعات المسلحة التي تستهدف الحكومة الإثيوبية.

من أسمرا وحدها إلى «محور القاهرة–أسمرا»

الجديد في الخطاب الإثيوبي هو إدخال مصر بصورة مباشرة إلى جانب إريتريا في تفسير أديس أبابا للتصعيد الأمني المحيط بها. وتربط المادة الإثيوبية موقف القاهرة بالخلاف الطويل حول مياه النيل وسد النهضة، بينما تقدم التوتر بين أسمرا وأديس أبابا باعتباره المحرك الآخر للتقارب بين البلدين.

وتؤكد ENA أن إريتريا تقدم دعماً لجماعات إثيوبية عبر حدود تيغراي وعبر السودان، وأن هذا الدعم يشمل ـ وفق رواية الوكالة ـ السلاح والتمويل والتنسيق. أما مصر، فتتهمها المادة بالعمل بصورة أكبر «من الخلف» عبر تعزيز علاقاتها السياسية والاستراتيجية مع إريتريا.

لقاء نيويورك يسبق التصعيد بيوم

يكتسب توقيت الاتهامات أهمية خاصة لأنها جاءت بعد يوم واحد من إعلان القاهرة تفاصيل اجتماع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره الإريتري عثمان صالح، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. وأكد الوزيران خلال الاجتماع أن أمن البحر الأحمر وحوكمته يجب أن يظلا مسؤولية حصرية للدول المطلة عليه. كما أكدت القاهرة دعمها لسيادة إريتريا ووحدتها وسلامة أراضيها، واتفق الجانبان على مواصلة التنسيق والتشاور بشأن القضايا الإقليمية.

وتناول الاجتماع كذلك التطورات في السودان والصومال والقرن الأفريقي. ولا يتضمن البيان المصري الرسمي المعلن بشأن الاجتماع إشارة إلى دعم جماعات إثيوبية مسلحة أو تدخل عسكري ضد أديس أبابا.

قائد الجيش يدخل على خط الاتهامات

بالتزامن مع التصعيد الإعلامي، اتهم رئيس أركان قوات الدفاع الوطني الإثيوبية المشير برهانو جولا «قوى أجنبية» بدعم وتسليح التحالف المسلح الجديد المناهض للحكومة. وتحدث جولا عن محاولات لإعادة بناء شبكة سياسية وعسكرية مناهضة للحكومة الفيدرالية، في ظل تصاعد نشاط الجماعات المسلحة الإثيوبية وتوتر العلاقة مع تيغراي.

وتكتسب تصريحاته وزناً إضافياً لأنها تأتي من أعلى قيادة عسكرية إثيوبية، وفي توقيت تنشر فيه وكالة الأنباء الرسمية اتهامات مباشرة لإريتريا ومصر.

تيغراي في قلب الأزمة

لا يمكن فصل الاتهامات الجديدة عن التطورات المتسارعة داخل شمال إثيوبيا. فالتوتر بين الحكومة الفيدرالية وقوى تيغراي تصاعد خلال الأسابيع الماضية، بالتزامن مع تحركات عسكرية وضربات بالمسيّرات، وصولاً إلى التطورات الأخيرة المرتبطة بمطار ميكيلي. كما انضمت قوى إثيوبية معارضة ومسلحة إلى تحالف جديد مناهض لحكومة رئيس الوزراء آبي أحمد. وتتهم أديس أبابا أسمرا منذ فترة بدعم خصومها الإثيوبيين، بينما تنفي إريتريا الاتهامات.

سد النهضة يعود من بوابة الأمن

تُظهر مادة ENA كذلك أن سد النهضة لا يزال حاضراً بقوة في قراءة أديس أبابا لعلاقاتها مع مصر، حتى عندما يتعلق الأمر بأزمات أمنية داخلية. فالوكالة تربط التقارب المصري–الإريتري بما تصفه بمحاولة القاهرة البحث عن أدوات جديدة للضغط على إثيوبيا بعد سنوات من الخلاف حول مياه النيل والسد.

بالنسبة للقاهرة، تؤكد بياناتها الرسمية بصورة متكررة أن تحركاتها في القرن الأفريقي تقوم على دعم سيادة الدول ووحدتها واستقرارها، بينما تتمسك بموقفها بشأن ضرورة التوصل إلى ترتيبات قانونية تتعلق بسد النهضة.

وهكذا ينتقل الخلاف حول النيل تدريجياً، في الخطاب السياسي والإعلامي الإثيوبي، إلى ملفات البحر الأحمر وإريتريا والأمن الإقليمي.

البحر الأحمر يتحول إلى ساحة تنافس جديدة

في المقابل، فإن التقارب بين مصر وإريتريا حقيقة سياسية معلنة ولا يحتاج إلى استنتاج. فالبلدان وسعا خلال الفترة الأخيرة مشاوراتهما بشأن البحر الأحمر والسودان والصومال، وأكدا مجدداً أن مسؤولية أمن البحر الأحمر يجب أن تبقى للدول الساحلية.

وتزداد حساسية هذا الموقف في ظل التحولات العسكرية الجارية في اليمن وباب المندب، وتصاعد أهمية الموانئ والجزر الإريترية والممرات البحرية المؤدية إلى قناة السويس. بالنسبة لمصر، يرتبط البحر الأحمر مباشرة بأمن قناة السويس والتجارة الدولية. وبالنسبة لإريتريا، يمثل البحر الأحمر وميناء عصب ومصوع محوراً أساسياً في موقعها الاستراتيجي.

أما إثيوبيا، الدولة غير الساحلية منذ استقلال إريتريا، فقد جعلت الوصول إلى البحر أحد أبرز ملفات سياستها الإقليمية خلال السنوات الأخيرة. وبذلك تتقاطع في مساحة جغرافية واحدة ثلاثة ملفات شديدة الحساسية: الوصول الإثيوبي إلى البحر، والأمن الإريتري، والمصالح المصرية في البحر الأحمر.

من حرب الروايات إلى أزمة إقليمية؟

حتى الآن، لا تحتاج الاتهامات الإثيوبية المتعلقة بتقديم مصر وإريتريا دعماً عسكرياً للتحالفات المسلحة بحاجة إلى أدلة مستقلة. وأهمية التطور لا تتوقف على إثبات تلك الاتهامات. فمجرد انتقال الإعلام الرسمي الإثيوبي إلى تقديم القاهرة وأسمرا باعتبارهما «محوراً» يعمل ضد إثيوبيا يعكس تغيراً في مستوى الخطاب السياسي والأمني في المنطقة.

والمرحلة الأكثر خطورة ستبدأ إذا انتقلت هذه الرواية من المقالات والتحليلات الرسمية إلى اتهامات حكومية محددة تتضمن أسماء جماعات أو شحنات أسلحة أو مسارات تمويل أو أدلة يمكن فحصها بصورة مستقلة.

عندها لن يكون الحديث فقط عن أزمة إثيوبية–إريترية أو خلاف مصري–إثيوبي حول سد النهضة، وإنما عن تشكل صراع إقليمي تتداخل فيه تيغراي والسودان وإريتريا ومصر والبحر الأحمر.

ولهذا ستكون المؤشرات الأهم خلال الفترة المقبلة هي: هل تقدم أديس أبابا أدلة على اتهاماتها؟ هل ترد القاهرة وأسمرا رسمياً؟ وهل تتحول الاتهامات المتبادلة إلى تحركات عسكرية أو أمنية على الحدود؟

الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كانت المنطقة أمام جولة جديدة من حرب الروايات، أم أن القرن الأفريقي يتحرك فعلاً نحو مرحلة أكثر خطورة من صراع الوكلاء والتنافس الإقليمي.

اقرا ايضا

ملف «كيماوي السودان» يصل الكونغرس.. سيناتور أميركي يطالب بتحقيق دولي ومحاسبة المسؤولين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى