إريتريا تدخل مشاورات جنيف لأول مرة وتطالب بالاعتراف بمجلس السيادة سلطةً رسمية وحيدة في السودان
أسمرا تطرح ستة مبادئ لإنهاء الحرب السودانية، وتتهم أطرافاً خارجية بتسليح الدعم السريع، وتدعو إلى اعتماد إعلان جدة أساساً للتسوية السياسية، وسط تحركات دولية لتنسيق مبادرات السلام ووقف التصعيد
جنيف | برق السودان
دخلت إريتريا على خط المشاورات الدولية الرامية إلى تنسيق جهود إنهاء الحرب في السودان، معلنة مشاركتها للمرة الأولى في الاجتماع التشاوري السادس بشأن تعزيز التنسيق بين مبادرات السلام، الذي استضافته مدينة جنيف السويسرية يومي 20 و21 أكتوبر 2026، بمشاركة ممثلين عن الأمم المتحدة وعدد من الدول الإقليمية والدولية المعنية بالأزمة السودانية.
وكشفت وزارة الإعلام الإريترية، الخميس 22 أكتوبر، عن مضمون المداخلة الرسمية التي قدمها وفد أسمرا خلال الاجتماع، والتي تضمنت ستة مبادئ تحدد رؤية إريتريا لإنهاء النزاع السوداني، في مقدمتها الاعتراف بمجلس السيادة الانتقالي باعتباره السلطة الرسمية الوحيدة خلال المرحلة الانتقالية، مع تحميله مسؤولية قيادة البلاد نحو إقامة حكومة مدنية.
ويمثل هذا الموقف انتقالاً لافتاً في الحضور الدبلوماسي الإريتري داخل مسارات معالجة الأزمة السودانية، إذ لم تعد أسمرا تكتفي بإعلان مواقفها من خلال الاتصالات الثنائية أو البيانات السياسية، وإنما أصبحت طرفاً مشاركاً بصورة مباشرة في إحدى آليات التشاور الدولية المعنية بتنسيق جهود السلام.
وجاءت المشاركة الإريترية في وقت تتواصل فيه المساعي الإقليمية والدولية لوقف الحرب المستمرة في السودان منذ أبريل 2023، وسط خلافات بشأن آليات التسوية السياسية، ومستقبل المؤسسات الانتقالية، ودور الأطراف الخارجية في النزاع.
وتكتسب المداخلة الإريترية أهمية إضافية بالنظر إلى العلاقات السياسية والأمنية بين أسمرا والسلطات السودانية، إلى جانب التطورات الإقليمية المرتبطة بالتوتر بين إريتريا وإثيوبيا، وما يفرضه استمرار الحرب السودانية من تحديات على أمن منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
ستة مبادئ إريترية.. دعم مجلس السيادة واتهامات بالتدخل الخارجي
وضعت إريتريا مسألة الاعتراف بالسلطة الرسمية في السودان في مقدمة رؤيتها للتسوية السياسية، مطالبة بالتعامل مع مجلس السيادة الانتقالي باعتباره المؤسسة الرسمية الوحيدة المخولة بقيادة المرحلة الانتقالية، وصولاً إلى تشكيل حكومة مدنية. ويعكس هذا الطرح موقفاً سياسياً واضحاً من أسمرا بشأن طبيعة المؤسسات التي ينبغي أن تشارك في إدارة العملية السياسية، في ظل استمرار الخلافات السودانية حول الشرعية وترتيبات الحكم ومستقبل المرحلة الانتقالية.
وفي محور آخر، وجه الوفد الإريتري اتهامات إلى أطراف خارجية بتقديم أسلحة متطورة ومرتزقة لقوات الدعم السريع، معتبراً أن التدخلات الخارجية تسهم في استمرار النزاع وتعقيد فرص التوصل إلى تسوية سياسية.
ولم تسمِّ المداخلة، وفق المعلومات المنشورة عنها، الدول أو الجهات التي تتهمها أسمرا بتقديم هذا الدعم، كما لم تتضمن أدلة تفصيلية يمكن من خلالها التحقق بصورة مستقلة من طبيعة الاتهامات أو نطاقها.
ويأتي هذا الموقف ضمن نقاش دولي أوسع بشأن تدفق الأسلحة إلى السودان، وتأثير الدعم الخارجي للأطراف المتحاربة على استمرار العمليات العسكرية وتفاقم الأزمة الإنسانية.
وشددت إريتريا كذلك على ضرورة اعتماد إعلان جدة والالتزامات التي جرى التوصل إليها عام 2023، أساساً لأي مسار جديد لإنهاء الحرب، في إشارة إلى أهمية البناء على التفاهمات السابقة بدلاً من إطلاق مبادرات منفصلة لا تستند إلى إطار مشترك. وكان إعلان جدة، الذي وُقع في مايو 2023 برعاية سعودية أمريكية، قد تضمن التزامات تتعلق بحماية المدنيين واحترام القانون الدولي الإنساني وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، غير أن استمرار القتال أعاق تنفيذ تلك الالتزامات بصورة مستدامة.
ومن بين النقاط التي أثارتها أسمرا أيضاً غياب الحكومة السودانية عن الاجتماع التشاوري السادس والمشاورات السابقة، معربة عن أسفها لعدم مشاركتها في المناقشات المتعلقة بمستقبل التسوية. ويعكس هذا الاعتراض رغبة إريترية في إشراك المؤسسات السودانية القائمة بصورة مباشرة في مسارات التشاور الدولية، وهو موقف يفتح نقاشاً بشأن كيفية الجمع بين التعامل مع السلطات القائمة وضمان مشاركة القوى المدنية والسياسية السودانية الأخرى في أي عملية سلام شاملة.
وحذرت إريتريا من تعدد المبادرات الدبلوماسية غير المنسقة، معتبرة أن تنافس المسارات السياسية قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة وإضعاف فرص الوصول إلى تسوية قابلة للتنفيذ.
كما دعت إلى توحيد القوات المسلحة تحت قيادة وطنية واحدة، باعتبار ذلك أحد المتطلبات الأساسية لاستعادة الاستقرار وتهيئة الظروف للانتقال إلى الحكم المدني.
ويطرح هذا المبدأ تحديات عملية وسياسية معقدة، تتعلق بالترتيبات الأمنية ومستقبل التشكيلات المسلحة وآليات الدمج وإعادة الهيكلة، وهي قضايا كانت حاضرة في الخلافات السودانية التي سبقت اندلاع الحرب.
جنيف تجمع الأطراف الإقليمية والدولية.. وأسمرا توسع حضورها في الملف السوداني
استضافت سويسرا والأمم المتحدة الاجتماع التشاوري السادس بشأن تعزيز تنسيق مبادرات السلام في السودان، بمشاركة دول من المنطقة وخارجها، من بينها إريتريا وإثيوبيا ومصر وجنوب السودان والسعودية والإمارات، إلى جانب أطراف دولية أخرى. وتركزت المشاورات على تعزيز التنسيق بين المبادرات الدبلوماسية القائمة، وخفض التصعيد، ودعم الجهود الرامية إلى وقف الأعمال العدائية وتهيئة الظروف لعملية سياسية سودانية شاملة.
وتأتي هذه الاجتماعات في ظل تعدد المسارات الدولية والإقليمية المعنية بالحرب السودانية، وما يرافقها من تحديات تتعلق بتنسيق الأدوار وتحديد الأولويات وضمان عدم تعارض المبادرات المختلفة. وبالنسبة إلى إريتريا، فإن المشاركة الأولى في هذه الآلية تتيح لها عرض موقفها مباشرة أمام الدول والمنظمات المشاركة، بدلاً من الاكتفاء بنقله عبر القنوات الثنائية أو البيانات الرسمية.
كما تتيح هذه المشاركة لأسمرا طرح رؤيتها بشأن مستقبل السلطة الانتقالية في السودان، والدور الذي ينبغي أن تؤديه المؤسسات القائمة، وحدود التدخلات الخارجية في العملية السياسية. وتكتسب الخطوة أهمية إقليمية في ظل التوتر المتصاعد بين إريتريا وإثيوبيا، حيث يرتبط استقرار السودان باعتبارات أمنية وسياسية أوسع تشمل الحدود وحركة اللاجئين والتجارة والممرات الاستراتيجية في البحر الأحمر.
ومع ذلك، فإن الربط بين المشاركة الإريترية في اجتماع جنيف والتوترات مع إثيوبيا يظل قراءة للسياق الإقليمي، وليس دليلاً على أن أسمرا اتخذت هذه الخطوة استجابة مباشرة لتلك التوترات.
موقف إريتري لا يعني اعترافاً دولياً جماعياً
رغم وضوح الموقف الذي قدمته أسمرا بشأن مجلس السيادة، فإن مشاركتها في الاجتماع التشاوري لا تعني أن الدول الأخرى تبنت الرؤية الإريترية أو اتفقت على اعتبار المجلس السلطة الوحيدة خلال المرحلة الانتقالية. فالمبادئ الستة تعبر عن موقف الحكومة الإريترية، بينما يظل الاجتماع إطاراً لتبادل وجهات النظر وتنسيق الجهود الدبلوماسية، وليس آلية لإصدار قرارات ملزمة بشأن الشرعية السياسية في السودان.
ويبرز هذا التمييز أهمية الفصل بين المواقف الوطنية التي تعرضها الوفود المشاركة والنتائج المشتركة التي تتضمنها البيانات الرسمية الصادرة عن الاجتماعات الدولية. كما أن الدعوة الإريترية إلى الاعتراف بمجلس السيادة تثير أسئلة بشأن العلاقة بين استمرارية مؤسسات الدولة ومتطلبات الانتقال المدني، خصوصاً أن أي تسوية سياسية مستدامة ستحتاج إلى معالجة قضايا الحكم والتمثيل والمساءلة والترتيبات الأمنية.
اتفاق جدة ومستقبل التسوية السياسية
يعيد تمسك إريتريا بإعلان جدة إلى الواجهة مسألة الاستفادة من الاتفاقات السابقة التي لم تؤد إلى وقف مستدام للحرب، رغم ما تضمنته من التزامات إنسانية مهمة. ويواجه أي مسار جديد للتسوية تحديات تتعلق بتنفيذ وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وإيصال المساعدات، وتهيئة الظروف لعودة النازحين واللاجئين، فضلاً عن معالجة الأسباب السياسية والأمنية التي ساهمت في اندلاع النزاع.
وفي هذا السياق، يمكن أن يسهم تحسين التنسيق بين المبادرات الدولية في تقليل ازدواجية الجهود، لكنه لا يشكل بحد ذاته ضمانة لنجاح المفاوضات، ما لم تتوافر التزامات عملية من الأطراف المعنية بالحرب. وتبرز كذلك أهمية مشاركة القوى المدنية السودانية في صياغة مستقبل البلاد، إلى جانب معالجة القضايا الإنسانية العاجلة التي لا تحتمل انتظار التوصل إلى اتفاق سياسي شامل.
وبينما تواصل الأمم المتحدة وشركاؤها البحث عن أرضية مشتركة لدفع جهود السلام، تقدم إريتريا نفسها طرفاً إقليمياً معنياً بصورة مباشرة بمستقبل السودان واستقراره. وتشكل مشاركة أسمرا الأولى في مشاورات جنيف تطوراً دبلوماسياً يستحق المتابعة، خصوصاً في ما يتعلق بإمكانية استمرار حضورها في الاجتماعات المقبلة، ومدى انعكاس مواقفها على النقاشات الإقليمية والدولية بشأن التسوية السودانية.
غير أن الاجتماع لم يسفر، وفق المعطيات المتاحة، عن اتفاق سلام جديد أو تبنٍّ جماعي للمبادئ الإريترية، ما يجعل الأهمية المباشرة لهذه المشاركة مرتبطة بتوسيع نطاق التشاور الدولي وإبراز الموقف السياسي لأسمرا. وفي المحصلة، تعكس المداخلة الإريترية محاولة لطرح رؤية متكاملة لإنهاء الحرب السودانية، تجمع بين الاعتراف بمجلس السيادة، ورفض التدخلات الخارجية، والتمسك باتفاق جدة، والدعوة إلى توحيد القوات المسلحة والانتقال إلى الحكم المدني.
ويبقى السؤال الأساسي هو مدى قدرة هذه الرؤية، إلى جانب المبادرات الدولية الأخرى، على الإسهام في بناء مسار تفاوضي يوقف القتال، ويحمي المدنيين، ويفتح الطريق أمام تسوية سياسية سودانية شاملة ومستدامة.
اقرأ ايضا
من لاهاي إلى داكار.. ملف «كيماوي السودان» يتصاعد ومطالبات بفتح المنشآت أمام المفتشين




