اقتصاد الحرب.. كيف تمددت شبكات الإسلاميين السودانيين عبر الحدود؟
تفاصيل الاستثمارات الخارجية والعقوبات الدولية تكشف امتدادات مالية لشبكات نشأت خلال حكم الإنقاذ، وسط تساؤلات عن دورها في تمويل الحرب السودانية
برق السودان | تقارير
لم تنتهِ حكاية المال الذي راكمته شبكات النفوذ خلال ثلاثة عقود من حكم الحركة الإسلامية في السودان بسقوط نظام عمر البشير في أبريل 2019. فبعد سنوات من تفكك السلطة السياسية التي أدارت تلك المنظومة، بدأت ملفات العقوبات الدولية وقضايا التمويل والتسليح تكشف عن استمرار نشاط شخصيات وشركات وعلاقات تجارية نشأت في عهد الإنقاذ، وامتد بعضها إلى خارج البلاد.
وفي الوقت الذي تتواصل فيه الحرب السودانية منذ أبريل 2023، تتزايد المؤشرات على أن شبكات المال والأعمال المرتبطة بنظام الإخوان السابق لم تفقد جميع أدواتها، وأن بعض امتداداتها ظلت قادرة على التحرك عبر شركات ووسطاء ومؤسسات مالية في أكثر من دولة. وبين اتهامات أمريكية وأوروبية بتمويل حركة حماس، يبرز سؤال يتجاوز حدود الماضي إلى الحاضر: هل تحولت بعض شبكات الثروة التي تشكلت في عهد الإنقاذ إلى أحد روافد اقتصاد الحرب الحالية في السودان؟.
استثمارات متعددة
بعد سقوط نظام البشير، وبعد طول اختفاء، عاد اسم رجل الأعمال السوداني عبدالباسط حمزة إلى الواجهة عبر العقوبات الأمريكية والأوروبية التي استهدفته وشركات مرتبطة به.
وفي أكتوبر 2023، أدرجت وزارة الخزانة الأمريكية حمزة على قائمة العقوبات، واتهمته بإدارة شركات ضمن المحفظة الاستثمارية لحركة حماس، والمشاركة في تحويل نحو 20 مليون دولار إلى الحركة. وشملت العقوبات شركات مرتبطة به، من بينها “زوايا للتنمية والاستثمار” و”لاريكوم للاستثمار”.
وفي يونيو 2024، أدرج الاتحاد الأوروبي شركات أخرى مرتبطة به، وقال إن هذه الشركات استُخدمت في تسهيل تدفقات مالية لحماس، مشيراً إلى أن أنشطتها شملت قطاعات الاتصالات والإنشاءات والنفط والذهب والصمغ العربي.
وتكشف هذه التفاصيل عن شبكة استثمارية تتجاوز النشاط التجاري التقليدي، وتمتد عبر شركات وقطاعات متعددة في أكثر من دولة. كما تطرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين النشاط الاقتصادي لحمزة وشبكات الحركة الإسلامية السودانية التي تشكلت خلال سنوات حكم الإنقاذ.
ولم يكن التقارب بين الخرطوم وحماس في تلك الفترة سراً؛ فقد استضاف السودان قيادات بارزة في الحركة الفلسطينية، من بينهم خالد مشعل وإسماعيل هنية ومحمود الزهار وموسى أبو مرزوق، وشهدت الخرطوم لقاءات ومؤتمرات شارك فيها قادة الحركة، في إطار علاقة سياسية وتنظيمية وثيقة بين نظام الإنقاذ وشبكات الإسلام السياسي في المنطقة.
وتشير وثائق وتقارير أمريكية إلى أن السودان استضاف خلال التسعينيات عناصر وشخصيات مرتبطة بحماس، وأن العلاقة بين الطرفين لم تقتصر على الاتصالات السياسية. ومع العقوبات التي طالت حمزة وشركاته، أصبح من الممكن النظر إلى هذه العلاقة من زاوية اقتصادية أيضاً، خصوصاً أن السلطات الأمريكية والأوروبية تحدثت عن شركات واستثمارات استخدمت في تسهيل التدفقات المالية لحماس.
شبكة مصالح
لفهم كيفية تشكل هذه الشبكات، لا بد من العودة إلى السنوات التي بدأت فيها عائدات النفط تتدفق إلى السودان في أواخر التسعينيات. فقد مثّل النفط تحولاً كبيراً في موارد الدولة، ووفّر للنظام السابق إمكانات مالية واسعة، تزامنت مع توسع نفوذ رجال الأعمال المرتبطين بمراكز السلطة، وصعود شركات ومؤسسات اقتصادية استفادت من سياسات التمكين.
وتشير دراسات أكاديمية وبحوث اقتصادية إلى أن عائدات النفط أسهمت في توسيع شبكات الرعاية السياسية والاقتصادية خلال حكم البشير، وأتاحت للنظام بناء منظومة مصالح مرتبطة بالأجهزة الأمنية والحزب الحاكم ومجموعات من رجال الأعمال.
وفي هذا السياق، تبرز تقديرات البروفيسور هاشم محجوب بشأن الاستثمارات السودانية في ماليزيا، والتي قال إنها بلغت نحو 42 مليار دولار بحلول عام 2007، بما يعادل 16% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية في ماليزيا آنذاك.
ويقول محجوب إنه أشرف على دراسة ميدانية خلال فترة عمله في ماليزيا بين عامي 1998 و2008، ورصدت استثمارات سودانية في قطاعات المصارف وسوق الأوراق المالية والتجارة والسياحة، فضلاً عن شراكات مع شركات دولية. ويربط هذه الاستثمارات بمرحلة تدفق عائدات النفط، مشيراً إلى أن جزءاً من الإيرادات لم يمر عبر القنوات الرسمية للدولة، بل اتجه إلى استثمارات خارجية من خلال شبكات ارتبطت بدوائر النظام الحاكم.
كما تحدث المصرفي السوداني محمد عصمت عن تقديرات أخرى تصل إلى نحو 64 مليار دولار لأموال مرتبطة برموز النظام السابق في الخارج، وهو رقم يحتاج بدوره إلى فحص مصادره ومنهجيته، ولا يمكن اعتباره مطابقاً لتقديرات محجوب أو دليلاً مستقلاً عليها.
وتثير هذه الأرقام، على اختلافها، سؤالاً جوهرياً حول حجم الثروة التي خرجت من السودان خلال سنوات الطفرة النفطية، ومصادرها، والجهات التي استفادت منها، وما إذا كانت الاستثمارات الخارجية تمثل أموالاً خاصة مشروعة أم أن بعضها ارتبط بتحويل موارد عامة أو استغلال النفوذ السياسي.
بنوك ماليزيا
لم تكن ماليزيا مجرد وجهة استثمارية اختارها رجال الأعمال السودانيون بصورة عشوائية. فقد شهدت العلاقات بين الخرطوم وكوالالمبور تقارباً سياسياً ودبلوماسياً منذ السنوات الأولى لحكم الإنقاذ، في ظل علاقات بين حكومة البشير وحكومة مهاتير محمد.
وفي عام 1991، زار البشير ماليزيا، ثم تطورت العلاقات خلال السنوات اللاحقة، وصولاً إلى زيارة مهاتير محمد إلى السودان في مايو 1998، التي رافقه خلالها أكثر من عشرين رجل أعمال ماليزياً بحثاً عن فرص للشراكة والاستثمار.
وتشير دراسة أكاديمية بعنوان “الشراكة الذكية في التطبيق: السياسة الخارجية السودانية تجاه ماليزيا 1989-1999” إلى أن العلاقات الثنائية شهدت تطوراً ملحوظاً خلال تلك الفترة، بينما تناول الباحث رولان مارشال في دراسة بعنوان “ماليزيا والسودان: من الطلاب الإسلاميين إلى البرجوازية الريعية” العلاقة بين البلدين من زاوية التحولات السياسية والاقتصادية وصعود النخب التجارية.
وتزامن هذا التقارب مع توسع نفوذ الحركة الإسلامية داخل مؤسسات الدولة السودانية، ومع بداية تدفق عائدات النفط، وهو ما يجعل دراسة الاستثمارات السودانية في ماليزيا جزءاً من فهم أوسع للعلاقة بين المال والسياسة في عهد الإنقاذ.
عقوبات أمريكية
لم تبدأ العقوبات الأمريكية على الإسلاميين السودانيين في مارس 2026. فقد سبقتها إجراءات طالت شخصيات وكيانات مرتبطة بالنظام السابق، من بينها عقوبات سبتمبر 2025 على جبريل إبراهيم وزير المالية الحالي ولواء البراء بن مالك، في سياق اتهامات تتعلق بدور عناصر إسلامية في تقويض الانتقال السياسي ودعم استمرار الحرب، وعلاقات مع إيران.
ثم جاء قرار مارس 2026 بتصنيف الحركة الإسلامية السودانية منظمة إرهابية أجنبية، إلى جانب إدراجها ضمن قائمة المنظمات الإرهابية العالمية المصنفة بشكل خاص.
ويمنح هذا التصنيف واشنطن أدوات قانونية أوسع لتجميد الأصول الواقعة ضمن نطاق اختصاصها، ومنع الأشخاص الأمريكيين من التعامل مع الجهات المدرجة، فضلاً عن زيادة المخاطر التي تواجه المصارف والمؤسسات المالية الأجنبية التي تتعامل معها.
و يفتح التصنيف الجديد مجالاً لفحص ما إذا كانت الشركات التي استخدمت في السابق لإدارة الاستثمارات الخارجية قد أعادت ترتيب ملكيتها أو نشاطها بعد سقوط البشير، وما إذا كانت بعض الشبكات لا تزال قادرة على تحويل الأموال عبر واجهات تجارية أو استثمارية.
تمويل الحرب
تعكس التطورات الحالية أن استمرار نشاط بعض الشخصيات والشركات المرتبطة بالنظام السابق خارج السودان يرتبط بمصادر تمويل الحرب الحالية، فيما تعكس قضية عبدالباسط حمزة تكشف عن اتهامات أمريكية وأوروبية باستخدام شركات واستثمارات متعددة القطاعات في تسهيل التدفقات المالية لحماس، بجانب انخراط إسلاميين في شراء أسلحة للجيش من أجل المضي قدما في حربه الحالية ضد قوات الدعم السريع.
كما يطرح الأمر سؤالاً عن طبيعة العلاقة بين شبكات رجال الأعمال الإسلاميين والجهات التي تتولى توفير السلاح والإمداد العسكري، وعن قدرة تلك الشبكات على الاستفادة من الأصول الخارجية والواجهات التجارية لتوفير الموارد اللازمة لاستمرار الحرب.
الثروة التي لم تنتهِ بسقوط النظام
تتجاوز أهمية ملف الأموال السودانية في ماليزيا مجرد معرفة حجم الاستثمارات التي خرجت من البلاد خلال سنوات الطفرة النفطية. فالمسألة تتعلق بمصير شبكة من المصالح الاقتصادية والسياسية التي نشأت في ظل نظام الإنقاذ، وامتدت إلى قطاعات وشركات وأسواق خارج السودان.
وبين التقديرات التي تتحدث عن عشرات المليارات، والعقوبات التي طالت رجال أعمال وشركات اتهمت بتمويل حماس، والتصنيف الأمريكي للحركة الإسلامية السودانية، ثم قضية التسليح التي كشفت عنها محكمة أبوظبي، تتجمع خيوط تستحق البحث في مسار واحد تفتح العديد الأسئلة المهمة.
من يملك هذه الأموال اليوم؟ وأين توجد الشركات التي استوعبتها؟ وهل تغيرت ملكيتها بعد سقوط البشير؟ وهل توجد صلات بين شبكات الاستثمار الخارجية والشركات والوسطاء الذين ظهروا في ملفات تمويل وتسليح مرتبطة بالحرب؟.
اقرأ أيضاً:
«أختانا يا برهان».. غضب شعبي يتصاعد ومطالبات برحيل قائد الجيش وإنهاء الحكم العسكري




