البرهان يستقطب الطرق الصوفية: محاولة جديدة لصناعة حاضنة سياسية للبقاء في السلطة
البحث عن شرعية مفقودة عبر الرمزية الدينية
بورتسودان | برق السودان
في خطوة تعكس عمق الأزمة السياسية التي يواجهها، كثّف رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان خلال الأسابيع الأخيرة لقاءاته مع قيادات بارزة في الطرق الصوفية، في تحرّك فُسّر على نطاق واسع باعتباره محاولة منظمة لبناء حاضنة سياسية بديلة، في ظل تراجع شرعيته واتساع دائرة العزلة الداخلية والخارجية التي تحيط به منذ اندلاع الحرب واستمرار حالة الانسداد السياسي في البلاد.
وتأتي هذه اللقاءات في توقيت بالغ الحساسية، مع تصاعد الانتقادات لأداء السلطة العسكرية، وفشلها في تقديم أي أفق سياسي واضح، إلى جانب تعثّر مسارات التسوية، وتآكل الدعم الذي كان يحظى به البرهان من بعض القوى والحركات المسلحة التي شكّلت في وقت سابق جزءًا من معادلة حكم ما بعد انقلاب أكتوبر.
البحث عن شرعية مفقودة عبر الرمزية الدينية
تشير معطيات المشهد السياسي إلى أن البرهان لم يعد يمتلك قاعدة سياسية صلبة يمكن الارتكاز عليها، ما دفعه إلى استدعاء الفاعلين ذوي التأثير الاجتماعي والديني، وعلى رأسهم الطرق الصوفية، التي تتمتع بحضور تاريخي واسع في المجتمع السوداني، وبثقل رمزي قادر – من وجهة نظره – على توفير غطاء معنوي وسياسي لسلطته.
ويرى مراقبون أن هذا التوجّه لا يعكس اهتمامًا حقيقيًا بالدور الروحي أو الاجتماعي للطرق الصوفية، بقدر ما يكشف عن محاولة لتوظيف الدين والرمزية الدينية في معركة سياسية خالصة، تهدف إلى إعادة إنتاج شرعية بديلة في ظل غياب التفويض الشعبي والمؤسساتي.
وتحذر أوساط سياسية من أن الزج بالطرق الصوفية في هذا الصراع قد يعرّضها لفقدان موقعها التاريخي كمساحة جامعة، ويحوّلها إلى طرف في نزاع سياسي حاد، بما يهدد مكانتها ويعمّق الاستقطاب داخل المجتمع.
وعود بالمناصب مقابل الدعم السياسي
بحسب معلومات متداولة في الأوساط السياسية، فإن لقاءات البرهان بقيادات الطرق الصوفية لم تخلُ من وعود مباشرة وغير مباشرة، شملت منحهم حصصًا في المجلس التشريعي المرتقب، إضافة إلى تمثيل في الحكومة القادمة، مقابل تقديم دعم سياسي للبرهان أو على الأقل عدم معارضته في المرحلة المقبلة.
وتعيد هذه المقاربة إلى الأذهان سياسات قديمة اعتمدت على مبدأ “الدعم مقابل الامتيازات”، حيث يتم توزيع النفوذ والمناصب لا على أساس الكفاءة أو التمثيل الحقيقي، بل وفق حسابات الولاء السياسي، وهو ما يثير مخاوف من إعادة إنتاج أنماط حكم ساهمت سابقًا في إضعاف الدولة وتفكيك مؤسساتها.
ويرى محللون أن هذه الوعود، إن صحّت، لا تمثل مسارًا للإصلاح أو الانتقال الديمقراطي، بل تؤكد استمرار العقلية ذاتها التي تتعامل مع السلطة بوصفها غنيمة سياسية، وتستخدم الفاعلين الاجتماعيين كأدوات مرحلية لضمان البقاء في الحكم.
في المحصلة، تكشف تحركات البرهان الأخيرة عن مأزق سياسي متفاقم، ومحاولة مكشوفة لتعويض غياب الشرعية عبر تحالفات هشة، قد توفر دعمًا مؤقتًا، لكنها تحمل في طياتها مخاطر كبيرة على النسيج الاجتماعي والديني في السودان، وتطرح تساؤلات جدية حول مستقبل العلاقة بين السلطة والدين في ظل صراع مفتوح على الحكم.




