الأخبار

بريطانيا تعيد رسم خريطة مخاطر العودة إلى السودان.. ماذا يتغير في ملفات اللجوء؟

وزارة الداخلية تحدّث تقييمها للأوضاع الأمنية في السودان.. دارفور وكردفان والنيل الأزرق ضمن المناطق الأعلى خطراً والحماية تظل مرتبطة بظروف كل حالة

لندن | برق السودان

حدّثت وزارة الداخلية البريطانية إرشاداتها الرسمية الخاصة بتقييم طلبات اللجوء والحماية المقدمة من السودانيين، في خطوة قد تؤثر بصورة مباشرة في الطريقة التي تدرس بها السلطات البريطانية مخاطر إعادة طالبي الحماية إلى مناطق مختلفة من السودان.

وتقدم الإرشادات المحدثة، الصادرة في 7 سبتمبر 2026، خريطة أكثر تفصيلاً للتفاوت الكبير في مستوى المخاطر بين الولايات السودانية، في ظل استمرار الحرب وتغير خطوط المواجهة والسيطرة.

وبحسب تقييم وزارة الداخلية، قد تبلغ شدة النزاع في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، بوجه عام، مستوى يجعل مجرد وجود المدني في بعض هذه المناطق سبباً لاحتمال تعرضه لخطر حقيقي من الضرر الجسيم الناجم عن العنف العشوائي.

وفي المقابل، ترى الإرشادات أن مستوى العنف في عدد من الولايات الواقعة في شرق وشمال السودان ومناطق نهرية لا يصل، بصورة عامة، إلى الدرجة نفسها.

لكن هذا التصنيف لا يعني تقسيم السودان ببساطة إلى مناطق «آمنة» و«خطرة»، ولا يمنح القادم من إحدى الولايات المصنفة عالية الخطورة حقاً تلقائياً في اللجوء.

فالوزارة تؤكد أن كل طلب يجب تقييمه بصورة فردية استناداً إلى مكان إقامة صاحبه وظروفه الشخصية وطبيعة المخاطر التي يمكن أن يتعرض لها عند العودة.

دارفور وكردفان والنيل الأزرق.. الخطر قد يبدأ من مجرد الوجود

تكمن إحدى أهم نقاط التحديث في تقييم مستوى العنف في مناطق النزاع الرئيسية.

ففي دارفور وكردفان والنيل الأزرق، ترى وزارة الداخلية أن مستوى النزاع المسلح يمكن أن يكون مرتفعاً إلى درجة تجعل المدني معرضاً لخطر حقيقي من الضرر الجسيم نتيجة العنف العشوائي، حتى قبل النظر إلى مخاطر شخصية إضافية في بعض الحالات.

ويكتسب هذا التقييم أهمية بالنسبة إلى السودانيين القادمين من مناطق شهدت معارك وقصفاً جوياً وهجمات بالمسيّرات ونزوحاً واسعاً وانهياراً للخدمات الأساسية. لكن مستوى الخطر ليس متطابقاً في جميع الولايات أو حتى داخل الولاية الواحدة.

ولهذا يتعين على متخذ القرار دراسة المنطقة التي سيعود إليها الشخص والظروف الأمنية السائدة فيها، إلى جانب أي عوامل فردية يمكن أن تزيد درجة تعرضه للخطر.

وقد تشمل ملفات اللجوء أيضاً أسباباً أخرى منفصلة عن العنف العشوائي، مثل الخوف من الاضطهاد بسبب الرأي السياسي أو الانتماء العرقي أو النشاط المدني أو الصحفي أو غير ذلك من الأسباب التي تخضع لقواعد الحماية الدولية.

هل أصبحت بقية السودان «آمنة» للعودة؟

لا.

تصنيف بعض الولايات بأنها أقل خطورة بوجه عام لا يعادل حكماً بأن العودة إليها آمنة لكل شخص. وتفرق إرشادات اللجوء بين تقييم المستوى العام للعنف وبين المخاطر الخاصة بطالب الحماية نفسه.

فقد لا تصل ولاية معينة إلى الحد العام الذي يجعل كل مدني معرضاً لخطر جسيم بسبب العنف العشوائي، لكن شخصاً بعينه قد يظل معرضاً لخطر حقيقي بسبب هويته أو نشاطه أو تاريخه أو ظروفه الشخصية. وهذا يعني أن تقييم الملف لا يتوقف عند اسم الولاية على بطاقة الهوية أو مكان الميلاد.

السؤال بالنسبة إلى متخذ القرار هو ما إذا كان هذا الشخص، في ظروفه المحددة، سيواجه خطراً حقيقياً عند إعادته.

الانتقال الداخلي.. السؤال الأصعب في ملفات السودانيين

تفتح الإرشادات كذلك ملفاً شديد الأهمية في قضايا اللجوء: هل يستطيع الشخص الانتقال إلى منطقة أخرى داخل السودان بدلاً من الحصول على حماية في بريطانيا؟

من حيث المبدأ، يمكن للسلطات البريطانية النظر في إمكانية الانتقال الداخلي عندما توجد منطقة أخرى لا يواجه فيها طالب اللجوء الخطر نفسه. لكن وجود منطقة أقل تعرضاً للقتال على الخريطة لا يكفي وحده. يجب كذلك النظر في إمكانية الوصول إليها، وما إذا كان من المعقول فعلياً مطالبة الشخص بالعيش فيها.

وتقر الإرشادات بأن الانتقال من مناطق النزاع أو عبرها قد يكون غير ممكن أو غير معقول في بعض الحالات نتيجة القيود الأمنية والمخاطر المرتبطة بالسفر.

وهذه النقطة بالغة الأهمية بالنسبة إلى القادمين من دارفور وكردفان والنيل الأزرق.

فالسؤال لن يكون فقط: «هل توجد منطقة أكثر أمناً داخل السودان؟»، وإنما أيضاً: هل يستطيع هذا الشخص الوصول إليها بأمان، وهل يمكن بصورة معقولة أن يستقر ويعيش فيها؟

وتدخل الظروف الفردية هنا مرة أخرى في التقييم، بما في ذلك الروابط الأسرية والقدرة على السفر والحالة الشخصية والظروف التي سيواجهها الشخص في المكان المقترح للانتقال.

ماذا يعني التحديث لطالبي اللجوء السودانيين؟

التغيير لا يمثل برنامجاً جديداً لاستقبال السودانيين، ولا يمنح تأشيرة أو إقامة أو لجوءاً تلقائياً. إنه في الأساس دليل لموظفي وزارة الداخلية البريطانية الذين يتخذون القرارات بشأن طلبات الحماية. لكن أهمية الوثيقة كبيرة لأنها تحدد الإطار الذي سيُقرأ من خلاله الوضع الأمني السوداني.

وبالنسبة إلى طالب قادم من إحدى مناطق النزاع الرئيسية، قد يصبح مكان إقامته السابق ومستوى العنف هناك عنصراً مهماً في إثبات وجود خطر حقيقي عند العودة.

وفي الملفات الأخرى، قد يصبح النقاش أكثر تركيزاً على الظروف الفردية، أو على إمكانية الانتقال إلى منطقة أخرى داخل السودان. كما يمكن أن تكون الإرشادات ذات صلة بملفات الاستئناف والطعن عندما ترفض وزارة الداخلية طلباً ويجادل صاحبه بأن تقييم المخاطر أو إمكانية الانتقال الداخلي لم يراع ظروفه بصورة صحيحة.

رفض الطلب لا يعني بالضرورة أنه «عديم الأساس»

تتضمن الإرشادات نقطة إجرائية أخرى مهمة. فهي تشير إلى أن طلب الحماية السوداني الذي يُرفض بعد تقييمه لا يُرجح عادة أن يكون مناسباً للتصنيف باعتباره «عديم الأساس بوضوح». وهناك فرق مهم بين رفض طلب لجوء بعد دراسة الأدلة وبين اعتباره طلباً لا يملك أساساً واضحاً منذ البداية. وتعكس هذه النقطة تعقيد الوضع السوداني وتعدد المخاطر المحتملة التي يجب فحصها في كل حالة.

لكنها، مرة أخرى، لا تعني أن كل طلب سوداني سينجح، ولا تمنع السلطات من رفض ملف إذا خلصت بعد دراسته إلى أن صاحبه لا يستوفي شروط الحماية.

خريطة مخاطر وليست «تأشيرة لجوء»

التفسير الأكثر دقة للتحديث البريطاني هو أنه خريطة لتقييم المخاطر، وليس قراراً جماعياً بشأن السودانيين.

فدارفور وكردفان والنيل الأزرق تبرز في التقييم باعتبارها مناطق يمكن أن يصل فيها مستوى النزاع إلى عتبة عالية من الخطر على المدنيين. وفي أجزاء أخرى من السودان، ترى الوزارة أن العنف العام أقل حدة، لكن ذلك لا يلغي المخاطر الفردية.

وبين الاثنين توجد قضية الانتقال الداخلي: هل توجد منطقة يمكن للشخص الوصول إليها بأمان، وهل من المعقول أن يعيش فيها في ظروفه الخاصة؟ ولهذا فإن أثر الوثيقة الحقيقي سيظهر في تفاصيل آلاف الملفات الفردية، وليس في إعلان واحد يشمل جميع السودانيين.

وبالنسبة إلى السودانيين الموجودين في بريطانيا أو الذين تنتظر طلباتهم قراراً، تصبح الأسئلة الأساسية أكثر تحديداً:

من أي منطقة جاء طالب الحماية؟ ما مستوى الخطر الحالي فيها؟ هل يواجه خطراً شخصياً إضافياً؟ وهل توجد بالفعل منطقة أخرى داخل السودان يستطيع الوصول إليها والعيش فيها بأمان وبصورة معقولة؟

الإجابة عن هذه الأسئلة، وليس الجنسية السودانية وحدها، هي التي ستظل في قلب قرار الحماية البريطاني.

اقرأ ايضا

«أقلام مدفوعة مقدماً».. من يمهّد الطريق لـ«رئاسة البرهان»؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى