الأخبارالإقتصاد

سويسرا تغلق أبوابها أمام الذهب السوداني.. عقوبات جديدة تستهدف أحد أهم موارد الحرب

حظر شراء واستيراد وعبور الذهب وتمويل تجارته يدخل حيز التنفيذ اليوم.. وبرن تلتحق بالعقوبات الأوروبية الهادفة إلى تضييق مصادر تمويل الحرب

برن | برق السودان

دخلت تجارة الذهب السوداني دائرة جديدة من القيود الدولية، بعدما قررت سويسرا حظر شراء واستيراد وعبور الذهب القادم من السودان، إلى جانب فرض قيود على الخدمات والمساعدات المالية المرتبطة بتجارته، في خطوة تستهدف أحد أهم القطاعات الاقتصادية في البلاد.

وأعلن المجلس الفدرالي السويسري، في 9 سبتمبر 2026، أن الإجراءات الجديدة تدخل حيز التنفيذ في 10 سبتمبر، في إطار مواءمة نظام العقوبات السويسري مع التدابير التي اعتمدها الاتحاد الأوروبي في يوليو الماضي.

القرار يضيف قيوداً على الجانب الآخر من سلسلة إنتاج الذهب عبر حظر بيع وتوريد مواد كيميائية محددة إلى السودان تستخدم في عمليات التعدين واستخراج المعدن

ولا تستهدف الإجراءات الجديدة قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان شخصياً، ولا تفرض عقوبات فردية جديدة عليه، وإنما تستهدف تجارة الذهب السوداني باعتبارها قطاعاً اقتصادياً تقول السلطات السويسرية إنه يمثل مورداً مهماً مرتبطاً بتمويل الحرب.

وبموجب القرار، يحظر شراء الذهب الذي يكون منشؤه السودان أو استيراده أو تمريره عبر الأراضي السويسرية.

كما يمتد الحظر إلى تقديم الخدمات المرتبطة بهذا الذهب ومنح المساعدات والموارد المالية المتعلقة بتجارته.

ويضيف القرار قيوداً على الجانب الآخر من سلسلة إنتاج الذهب، عبر حظر بيع وتوريد مواد كيميائية محددة إلى السودان تستخدم في عمليات التعدين واستخراج المعدن.

من العقوبات الفردية إلى استهداف «اقتصاد الحرب»

تمثل الخطوة تحولاً مهماً في طبيعة العقوبات المرتبطة بالسودان. فبدلاً من الاقتصار على تجميد أصول أفراد أو شركات وفرض قيود سفر، تستهدف الإجراءات الجديدة قطاعاً اقتصادياً كاملاً وسلسلة التجارة المرتبطة به.

أهم موارد البلاد لم يعد مجرد ملف اقتصادي بل أصبح بصورة متزايدة جزءاً من منظومة العقوبات الدولية المرتبطة بالحرب

وقالت الحكومة السويسرية إنها لا تزال تشعر بقلق بالغ إزاء الوضع الإنساني في السودان، وإن الذهب يُشار إليه باعتباره مورداً رئيسياً للصراع المستمر. ولهذا يستهدف القرار تقليص القدرة على استخدام الأسواق والخدمات المالية السويسرية في شراء الذهب السوداني أو نقله أو تمويل معاملاته.

وتكتسب الخطوة أهمية خاصة بالنظر إلى مكانة سويسرا في التجارة والتكرير العالميين للذهب، وإلى القواعد الصارمة المطبقة لديها بالفعل بشأن العناية الواجبة عند استيراد الذهب والمعادن الثمينة بهدف منع الاتجار بموارد النزاعات. ولم تبدأ العقوبات السويسرية على السودان مع القرار الجديد.

فبرن تطبق منذ عام 2005 العقوبات الأممية المتعلقة بالسودان، كما بدأت منذ 2023، في تطبيق إجراءات إضافية متوافقة مع الاتحاد الأوروبي. ويشمل نظام العقوبات السويسري الحالي حظراً على المعدات العسكرية، إلى جانب عقوبات مالية وقيود سفر موجهة ضد 36 شخصاً ومنظمة وشركة. لكن قرار سبتمبر يضيف بعداً مختلفاً عبر الانتقال مباشرة إلى أحد أهم الموارد الاقتصادية السودانية.

أوروبا بدأت في يوليو.. وسويسرا تلحق بها

القرار السويسري يأتي امتداداً لحزمة عقوبات أقرها مجلس الاتحاد الأوروبي في 13 يوليو 2026 لاستهداف ما وصفه بـ«اقتصاد الحرب» في السودان. وحظر الاتحاد الأوروبي شراء أو استيراد أو نقل الذهب الذي يكون منشؤه السودان. كما حظر بيع أو توريد أو نقل أو تصدير الزئبق والسيانيد إلى السودان، وهما مادتان تستخدمان على نطاق واسع في عمليات تعدين واستخلاص الذهب.

وامتدت الإجراءات الأوروبية كذلك إلى الخدمات الفنية والوساطة والمساعدات المالية المرتبطة بالأنشطة المحظورة.

وبرر الاتحاد الأوروبي الإجراءات بأن الذهب أصبح مصدراً رئيسياً للإيرادات التي تساعد على استمرار النزاع، وأن تقليص التجارة فيه والوصول إلى المواد المستخدمة في التعدين يمكن أن يحد من الموارد المتاحة للجهات التي تسهم في إدامة الحرب.

وتوجد استثناءات محددة في النظام الأوروبي، من بينها بعض الاستخدامات المرتبطة بالأغراض الإنسانية والطوارئ الصحية والاستجابة للكوارث. وبانضمام سويسرا إلى هذه التدابير، تتسع جغرافياً دائرة الأسواق الأوروبية التي تفرض قيوداً على التعامل مع الذهب السوداني.

ماذا يعني القرار لصادرات الذهب السودانية؟

التأثير المباشر للقرار هو إغلاق القنوات السويسرية أمام شراء الذهب السوداني أو استيراده أو عبوره، إضافة إلى منع تقديم الخدمات والمساعدات المالية المرتبطة بهذه التجارة.

لكن تأثيره الأوسع قد يظهر في سلسلة الوسطاء والتجار والمؤسسات المالية التي تتعامل مع الذهب قبل وصوله إلى وجهته النهائية. فالقيود لا تستهدف فقط شحنة ذهب تدخل سويسرا مباشرة من السودان، وإنما تجعل المؤسسات الخاضعة للقانون السويسري أكثر تقييداً في التعاملات المرتبطة بالذهب ذي المنشأ السوداني.

وقد يؤدي ذلك إلى زيادة صعوبة الوصول إلى بعض قنوات التجارة والتمويل الدولية، ورفع مستوى التدقيق في منشأ الذهب ومسار انتقاله. لكن القرار السويسري وحده لا يعني توقف صادرات الذهب السودانية عالمياً.

ففاعلية العقوبات ستعتمد على حجم التجارة التي كانت تمر عبر القنوات الخاضعة للقيود، وقدرة الجهات الدولية على تتبع منشأ الذهب، وما إذا كانت الشحنات ستتحول إلى أسواق أو وسطاء آخرين.

معركة جديدة حول مصدر الذهب

يفتح الحظر كذلك واحداً من أصعب الملفات في تجارة المعادن الثمينة: إثبات بلد المنشأ. فالذهب مادة يمكن صهرها وإعادة تكريرها ودمجها مع إنتاج قادم من مصادر مختلفة، ما يجعل تتبع سلسلة التوريد قضية مركزية في تطبيق العقوبات. ولهذا تكتسب قواعد العناية الواجبة أهمية خاصة.

وقالت الحكومة السويسرية إن متطلبات صارمة مطبقة بالفعل على واردات الذهب والمعادن الثمينة، وإن من أهداف هذه القواعد منع التجارة في الموارد التي تسهم في تمويل النزاعات.

ومع دخول الحظر الجديد حيز التنفيذ، يصبح تحديد ما إذا كان الذهب المعروض على المشترين أو المصافي ذا منشأ سوداني مسألة ذات تبعات قانونية، وليس مجرد معلومة تجارية.

الذهب يدخل قلب العقوبات على حرب السودان

الرسالة السياسية وراء القرارات الأوروبية والسويسرية واضحة: الضغوط الدولية بدأت تتحرك من استهداف الأفراد والكيانات إلى استهداف الموارد الاقتصادية التي يُعتقد أنها تساعد على تمويل استمرار الحرب. لكن مدى نجاح هذه الاستراتيجية سيعتمد على التنفيذ. فإذا استطاعت شبكات تجارة الذهب تغيير طرق التصدير أو تمرير الإنتاج عبر دول أخرى، قد ينخفض الأثر المباشر للحظر.

أما إذا توسعت القيود إلى أسواق ومراكز مالية إضافية، وأصبحت عملية إثبات المنشأ أكثر صرامة، فقد ترتفع تكلفة الوصول إلى الأسواق الدولية بصورة ملموسة. وبالنسبة إلى السودان، فإن القضية تتجاوز العقوبات نفسها.

فالذهب يمثل مورداً اقتصادياً مهماً في بلد تضررت فيه قطاعات الإنتاج والصادرات والعملات الأجنبية بشدة جراء الحرب.

وهنا تظهر معضلة العقوبات القطاعية: كيف يمكن تضييق موارد تمويل الحرب من دون تعميق الضرر الواقع على الاقتصاد والمدنيين والعاملين في قطاع التعدين؟ ومع دخول القرار السويسري حيز التنفيذ في 10 سبتمبر، أصبحت هذه المعضلة أكثر إلحاحاً.

فبعد الاتحاد الأوروبي، تدخل سويسرا الآن رسمياً على خط استهداف تجارة الذهب السوداني، في خطوة تعني أن أحد أهم موارد البلاد لم يعد مجرد ملف اقتصادي، بل أصبح بصورة متزايدة جزءاً من منظومة العقوبات الدولية المرتبطة بالحرب.

اقرأ ايضا

حميدتي يتمسك بسحب آلاف المقاتلين من السعودية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى