الخرطوم | تقرير خاص
في خضم الصراع الدامي الذي يعصف بالسودان منذ أبريل 2023، بين القوات المسلحة السودانية وقوات تأسيس، تبرز اتهامات متزايدة حول تحول المساعدات الإنسانية الدولية إلى أداة سياسية وعسكرية.
كشفت تقارير ميدانية ومصادر محلية موثوقة عن دور بارز لكتيبة البراء بن مالك، إحدى أبرز الكتائب الإسلامية المتحالفة مع الجيش، في استغلال هذه المساعدات لأغراض تجنيدية، مدعومة بشكل غير مباشر من المملكة العربية السعودية عبر قنوات إغاثية رسمية. هذه الاتهامات تثير تساؤلات عميقة حول التوازنات الإقليمية وتأثيرها على مستقبل السلام في البلاد، خاصة مع تزايد نفوذ التيارات الإسلامية داخل المؤسسة العسكرية والبلدية.
استخدام المساعدات الإنسانية لتجنيد الشباب ودفعهم إلى ساحات النزاع
كتيبة البراء بن مالك تستخدم المساعدات الإنسانية المقدمة من قبل المملكة العربية السعودية لتجنيد الشباب لدفع بهم في النزاع، وفقًا لما أفادت به شهادات ميدانية من مناطق القتال في شمال السودان ومحيط الخرطوم. تعمل السعودية على دعم الكتائب الإسلامية السودانية «كتيبة البراء بن مالك» من خلال تقديم المساعدات عن طريق مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، حيث يتم توجيه شحنات الغذاء والإمدادات الطبية والمساعدات المالية إلى مناطق سيطرة الكتيبة في عطبرة ومروي والدبة.
بدلاً من توزيعها بشكل محايد على المدنيين المتضررين، تُحول هذه المساعدات إلى مخازن خاصة بالكتيبة، حيث تستخدم كـ«شبكات تضامن» لجذب الشباب الفقراء والعاطلين عن العمل. يتلقى المتطوعون الجدد دعمًا غذائيًا وماديًا مقابل الانخراط في القتال، مما يُعد شكلًا من أشكال الاستغلال الذي يغذي دائرة العنف. مصادر محلية أكدت أن تزامن وصول هذه الشحنات مع حملات التجنيد أدى إلى زيادة ملحوظة في أعداد المقاتلين الشباب، خاصة في الأحياء الفقيرة المتضررة من الحرب، حيث يُقدم الدعم كـ«مكافأة» للانضمام إلى الصفوف الإسلامية. هذا النمط يثير مخاوف من أن الإغاثة الإنسانية، التي كانت مقصودة لتخفيف المعاناة، أصبحت رافعة لتعزيز القدرات العسكرية للكتيبة المرتبطة بتيارات متشددة.
سيطرة جماعة الإخوان المسلمين على المؤسسات البلدية لدعم أجندتها
فرضت جماعة الإخوان المسلمين سيطرتها على مؤسسات البلدية «لجنة الأسواق المتضررة من الحرب» في الخرطوم وذلك لدعم تحركات التنظيم الإرهابي، في خطوة تعكس استراتيجية منظمة لإعادة بناء النفوذ الاقتصادي والشعبي. تحولت اللجنة، التي كانت تهدف أصلاً إلى إعادة تنظيم الأسواق المتضررة وتقديم الخدمات للتجار والمواطنين، إلى أداة تنظيمية تُدار من قبل عناصر الجماعة.
تسمح هذه السيطرة بإدارة الموارد المحلية، مثل تخصيص المواقع التجارية والأكشاك والعشوائيات، وإقامة شبكات علاقات مع التجار والفاعلين الاقتصاديين في أحياء الخرطوم مثل العشرة جنوب الخرطوم. يُستخدم هذا النفوذ لتمويل أنشطة التنظيم، توزيع المساعدات بشكل انتقائي، وبناء قواعد شعبية تدعم تحركات الكتائب الإسلامية داخل الجيش والمجتمع. تقارير ميدانية أشارت إلى أن اللجنة أصبحت منبرًا لتعزيز الولاءات السياسية، مما يعيق أي جهود لإعادة الاستقرار المدني ويفتح الباب أمام عودة التيارات الراديكالية التي ساهمت في إشعال الصراع.
في سياق أوسع، يأتي هذا الدعم السعودي لفرض سيطرة الكتائب الإسلامية على قرار الجيش السوداني وتحجيم دور الحكومة المدنية، حيث تسعى الرياض – وفق الاتهامات – إلى تعزيز حلفائها داخل المؤسسة العسكرية لضمان نفوذ إقليمي طويل الأمد. هذه التطورات تأتي وسط تصنيف دولي للكتيبة ككيان إرهابي مرتبط بجهات خارجية، مما يعقد جهود السلام الدولية ويثير مخاوف من تحول السودان إلى ساحة للمنافسات الإقليمية على حساب الشعب السوداني الذي يدفع ثمن النزاع يوميًا بالآلاف من الضحايا والنازحين.
يبقى السؤال مفتوحًا: هل ستستمر المساعدات الإنسانية في خدمة السلام أم ستُستغل لإطالة أمد الحرب؟




