ست سنوات بسبب محادثة خاصة.. قضية أحمد الوقيع تضع حرية التعبير في السودان أمام اختبار جديد
من الهاتف إلى المحكمة.. أين تنتهي الخصوصية وتبدأ المسؤولية الجنائية؟
برق السودان | تقرير
أعادت قضية الصيدلي السوداني أحمد سليمان أحمد الوقيع الجدل حول حدود حرية التعبير وخصوصية المراسلات الشخصية في السودان، بعدما قضت محكمة جنايات الأبيض، في 16 أغسطس 2026، بسجنه لمدة ست سنوات بالتتابع، إلى جانب مصادرة أمواله، وفقاً لإفادة محامي الدفاع وبيان صادر عن «لجنة صيادلة السودان المركزية».
وتكتسب القضية أهمية تتجاوز الحكم الصادر بحق الوقيع نفسه، إذ تطرح أسئلة بشأن التعامل القانوني مع الآراء السياسية التي يجري التعبير عنها في المراسلات الخاصة، ومدى إمكانية استخدامها أساساً للملاحقة الجنائية، خصوصاً في ظل الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب واتساع نطاق الإجراءات الأمنية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة.
إلى أي مدى يمكن أن تصل سلطة الدولة إلى ما يقوله المواطن داخل محادثاته الخاصة عندما يكون ما يقوله موقفاً من الحرب والسياسة؟
وبحسب محامي الوقيع، عثمان صالح، بدأت القضية عقب تفتيش هاتف موكله والعثور على محادثة خاصة عبّر خلالها عن موقف رافض للحرب ودعا إلى وقفها.
ولم يتسنَّ حتى الآن الاطلاع على النص الكامل للحكم أو حيثياته، كما لم يصدر، وفق المعلومات المتاحة، توضيح رسمي من المحكمة أو جهاز المخابرات بشأن الوقائع والأدلة التي استندت إليها القضية. ولذلك تظل رواية أن المحادثة المناهضة للحرب كانت أساس الإدانة مستندة في الوقت الراهن إلى إفادة الدفاع.
من الهاتف إلى المحكمة.. أين تنتهي الخصوصية وتبدأ المسؤولية الجنائية؟
تثير ملابسات القضية سؤالاً أساسياً حول الحماية التي تتمتع بها المراسلات الخاصة، والظروف القانونية التي تسمح بتفتيش الهواتف والوصول إلى محتوياتها، فضلاً عن مدى إمكانية تحويل رأي جرى التعبير عنه في نطاق خاص إلى دليل في قضية جنائية.
وتزداد حساسية هذه الأسئلة عندما يتعلق المحتوى، وفق رواية الدفاع، بموقف سياسي من الحرب وليس بدعوة معلنة إلى ارتكاب أعمال عنف.
وفي المقابل، فإن عدم نشر حيثيات الحكم يجعل من الصعب الوصول إلى تقييم قانوني نهائي للقضية، إذ لا تزال هناك أسئلة بشأن طبيعة الاتهامات التي أُدين الوقيع بموجبها، والأدلة الأخرى التي ربما قُدمت أمام المحكمة، والأساس القانوني لمصادرة أمواله.
ولهذا فإن الفصل بين ما أكدته المصادر وما لا يزال محل رواية من جانب الدفاع يمثل عنصراً مهماً في قراءة القضية. فصدور الحكم وعقوبة السجن والمصادرة أكدتهما إفادة محامي الدفاع وبيان لجنة الصيادلة، بينما لم تتوفر حتى الآن نسخة منشورة من الحكم تكشف بصورة مستقلة ما إذا كانت المحادثة الخاصة وحدها، أو إلى جانب أدلة أخرى، قد شكلت أساس الإدانة.
وأدانت «لجنة صيادلة السودان المركزية» الحكم الصادر بحق الوقيع، وطالبت بضمان حقه في الاستئناف والحصول على محاكمة عادلة، في موقف ينقل القضية من نطاقها الجنائي الفردي إلى نقاش أوسع بشأن الحقوق والحريات خلال الحرب.
قضية تتجاوز أحمد الوقيع.. اختبار لحرية التعبير في زمن الحرب
تأتي القضية في بيئة سياسية وأمنية شديدة التعقيد، حيث أدت الحرب المستمرة في السودان إلى زيادة حساسية السلطات تجاه المواقف السياسية والاتهامات المرتبطة بالأمن والتعاون مع أطراف النزاع.
لكن قضية الوقيع تطرح إشكالية مختلفة إذا ثبت أن الموقف المناهض للحرب الوارد في محادثة خاصة كان عنصراً رئيسياً في إدانته: هل يمكن اعتبار الدعوة إلى وقف الحرب أو رفض استمرارها موقفاً سياسياً مشروعاً، أم يمكن أن تتحول في ظروف معينة إلى أساس للمساءلة الجنائية؟
ويمتد السؤال كذلك إلى حدود استخدام قوانين الأمن والمعلوماتية في التعامل مع التعبير السياسي. فالتوسع في تفسير النصوص القانونية خلال النزاعات قد يؤدي إلى تقلص المساحة المتاحة للآراء المخالفة، خصوصاً عندما تصبح الرسائل والمحادثات الموجودة داخل الأجهزة الشخصية جزءاً من إجراءات التحقيق والملاحقة.
ولا تتعلق المسألة بحرية التعبير وحدها، بل بالخصوصية أيضاً. فالهواتف المحمولة أصبحت تحتوي على تفاصيل واسعة من الحياة الشخصية والمهنية والسياسية للأفراد، الأمر الذي يجعل الضوابط القانونية لتفتيشها واستخدام محتوياتها أمام المحاكم قضية ذات أهمية متزايدة.
الاستئناف قد يكشف تفاصيل القضية
من شأن انتقال القضية إلى مرحلة الاستئناف، إذا تقدم الدفاع بالطعن، أن يتيح فرصة لإعادة فحص الأساس القانوني للحكم والأدلة والإجراءات التي سبقت المحاكمة، فضلاً عن العقوبات الصادرة بحق الوقيع.
وقد تصبح هذه المرحلة مهمة أيضاً في تحديد ما إذا كانت المحادثة الخاصة تمثل بالفعل جوهر القضية كما يقول الدفاع، أم أن ملف الاتهام يحتوي على وقائع وأدلة أخرى لم تُكشف للرأي العام.
وبينما تبقى تفاصيل رئيسية بحاجة إلى توثيق رسمي، فإن الحكم بالسجن ست سنوات بالتتابع ومصادرة الأموال يجعل قضية أحمد الوقيع واحدة من القضايا التي من المرجح أن تعيد النقاش حول حرية التعبير، وخصوصية المراسلات، وضمانات المحاكمة العادلة في السودان خلال الحرب.
وسيظل الحكم النهائي على دلالاتها مرتبطاً بما تكشفه حيثيات المحكمة ومرحلة الاستئناف، لكن القضية تضع منذ الآن سؤالاً يصعب تجاهله: إلى أي مدى يمكن أن تصل سلطة الدولة إلى ما يقوله المواطن داخل محادثاته الخاصة عندما يكون ما يقوله موقفاً من الحرب والسياسة؟
اقرأ ايضا
مجلس التنسيق السعودي–السوداني.. خطوة دبلوماسية تثير أسئلة حول التوقيت والجدوى




