الأخبارتقارير

شاحنات الموت.. أداة تطهير عرقي تغيّر مسار الحرب في السودان

حملات تطهير عرقي في قلب الخرطوم

تحقيق خاص – برق السودان

في تطورٍ مرعب ومفاجئ لمسار الحرب السودانية، برزت تقارير موثوقة تُشير إلى استخدام شاحنات مغلقة لنقل مئات الأسرى من عرقيات مُحددة – أبرزها من جبال النوبة ودارفور – نحو وجهاتٍ مجهولة، في عمليات تُنفذها كتيبة البراء بن مالك الإسلامية المتطرفة التابعة للجيش السوداني.

الحملات تستهدف بالأساس سكان غرب السودان ويتم تنفيذها بطريقة منهجية لإفراغ المناطق من تواجدهم

احتجاز عائلي في شاحنات مغلقة

بحسب مصادر ميدانية وشهادات مسربة، يتم احتجاز الأسرى مع عائلاتهم داخل شاحنات معدنية مُغلقة، تُفتقر إلى أبسط شروط السلامة الإنسانية. يتعرض المحتجزون للاختناق بسبب نقص التهوية، ويُحرمون من النوم أو الوصول إلى دورات المياه، ما أدى إلى وفاة عدد غير محدد منهم اختناقًا أو بسبب الإهمال الطبي.

مقاطع مصورة توثق جرائم حرب

بالتزامن مع هذه الانتهاكات، رُصدت عشرات المقاطع المصورة على الإنترنت تُظهر تنفيذ عمليات إعدام ميدانية وتهجير قسري بحق مدنيين من أصول إفريقية، نفذتها ميليشيا البراء بن مالك، إضافة إلى ميليشيا ذات صبغة عرقية مرتبطة بالضابط المعروف باسم “كيكل”. وتكشف هذه المقاطع عن نمط متكرر من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

حملات تطهير عرقي في قلب الخرطوم

تركّزت عمليات التطهير العرقي في مناطق رئيسية من العاصمة السودانية الخرطوم، أبرزها:
• منطقة الحاج يوسف
• منطقة الأزهري
• جنوب الخرطوم عمومًا
• حي مايو
• حي الكلاكلة

وتشير الشهادات إلى أن هذه الحملات تستهدف بالأساس سكان غرب السودان، ويتم تنفيذها بطريقة منهجية لإفراغ المناطق من تواجدهم.

أحد الجنود قال بزهو: خليهم يموتوا زي الفيران، دي تعليمات عليا”

شاهد عيان 

منع العودة.. محاولة لطمس الجرائم

في خطوة أثارت الكثير من المخاوف، أصدر الجيش السوداني أمرًا رسميًا لقواته يُمنع بموجبه المدنيون من العودة إلى الخرطوم، وهو إجراء يُنظر إليه كجزء من استراتيجية أوسع لإخفاء الأدلة على الجرائم المرتكبة، وتغيير التركيبة السكانية للعاصمة بالقوة.

شهادات من الداخل: “شاحنات الموت تُنهي حياة الناس ببطء”

يقول شاهد عيان من منطقة الأزهري تمكّن من الفرار قبل اعتقاله: “سمعت صرخات نساء وأطفال من داخل الشاحنات المغلقة.. أحد الجنود قال بزهو: خليهم يموتوا زي الفيران، دي تعليمات عليا”.

وفي تسجيل صوتي حصلت عليه “برق السودان” من أحد أفراد الميدان المنشقين عن الجيش، يؤكد الجندي أنه شارك في نقل عشرات المعتقلين إلى وجهات غير معلومة:

“نحن ما بنعرف الناس دي ماشين وين.. بس قالوا لينا نسلمهم عند نقطة عسكرية، وبعدها بنرجع… في ناس بتموت جوه الشاحنة وما بنفتح الباب إلا لما نوصل”.

شهادات إضافية من لاجئين تمكنوا من الوصول إلى مناطق آمنة في الجزيرة والنيل الأبيض، تشير إلى أن أغلب الضحايا ينتمون لقبائل الفور، الزغاوة، والمساليت، في استهداف واضح لعرقيات بعينها.

مشروع “تعقيم الخرطوم”؟

تُظهر المؤشرات أن ما يجري ليس مجرد تجاوزات ميدانية من قوات غير منضبطة، بل يُحتمل أنه جزء من مشروع استراتيجي تقوده عناصر داخل الجيش تهدف إلى تغيير التركيبة السكانية للعاصمة من خلال التهجير القسري والإبادة الصامتة.

ويرجح مراقبون أن كتيبة “البراء بن مالك” – المعروفة بولائها للفكر السلفي الجهادي – تحولت من مجرد وحدة قتالية إلى أداة تطهير ديمغرافي، تنفذ أجندات إيديولوجية وعرقية داخل المؤسسة العسكرية.

كما تشير المعلومات إلى أن العميد “كيكل” – وهو قائد عسكري معروف بولائه لتيار إسلامي متشدد – يقوم بتنسيق عمليات تهجير ميداني في أحياء بعينها، مستخدمًا مليشيا محلية عنيفة تتمركز في جنوب الخرطوم.

تعتيم إعلامي وخنق الشهود

يترافق هذا المسار الوحشي مع حظر إعلامي غير معلن، حيث تم إغلاق شبكات الاتصال في مناطق النزاع، وإجبار شهود العيان على الصمت من خلال التهديد أو التهجير. وتم تسجيل حالات اختفاء لصحفيين محليين حاولوا توثيق هذه الأحداث.

وفيما تحاول بعض المنصات المستقلة تسريب صور وفيديوهات، تُلاحقها حملات إلكترونية منظمة تتهمها بـ “الخيانة” أو “التحريض ضد الجيش”.

عندما تتحول الحرب إلى مشروع إبادة

ما يجري في السودان اليوم يتجاوز مجرد صراع على السلطة بين الجيش والدعم السريع، إذ بدأت الحرب تتحول تدريجيًا إلى مشروع إبادة ممنهجة ضد مكونات سكانية بعينها.

ويُخشى أن تتحول “شاحنات الموت” إلى رمز دائم لواحدة من أسوأ الجرائم التي ارتُكبت في تاريخ السودان الحديث، وسط صمت دولي مريب، وتواطؤ داخلي يكاد يُشرعن هذه المجازر من خلال الخطاب العسكري والديني المتشدد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى