علماء روس يطورون نموذجًا رياضيًا يتنبأ بانتشار الخلايا السرطانية بدقة غير مسبوقة
اكتشاف بصمة خفية للخلايا القادرة على الانتشار
بيرم | برق السودان
في خطوة علمية قد تمثل تطورًا مهمًا في فهم طبيعة السرطان وطرق انتشاره داخل الجسم، أعلن علماء من جامعة بيرم الروسية عن تطوير نموذج رياضي مبتكر قادر على التنبؤ بمدى قدرة الخلايا السرطانية على الانتشار في الجسم، وذلك من خلال تحليل خصائصها البيولوجية والميكانيكية.
ويعتمد النموذج الجديد على دراسة سلوك الخلايا السرطانية تحت الضغط، وتحليل كيفية استهلاكها للطاقة أثناء التشوه والتغيرات البنيوية التي تحدث داخلها، وهو ما قد يفتح الباب أمام وسائل تشخيص مبكرة تساعد الأطباء على تحديد مدى خطورة الورم حتى في مراحله الأولى.
نموذج يجمع ثلاث عمليات حيوية داخل الخلية
يتميّز النموذج الذي طوره الباحثون بقدرته على دمج ثلاث عمليات حيوية أساسية داخل الخلية السرطانية في معادلة رياضية واحدة. وتشمل هذه العمليات التشوه الميكانيكي للخلية عند تعرضها للضغط، وإعادة هيكلتها الداخلية، إضافة إلى استهلاك الطاقة أثناء هذه العمليات.
ويقول الباحثون إن دمج هذه العوامل الثلاثة في معامل موحد يوفر مقياسًا تراكمياً يمكن من خلاله تقييم درجة عدوانية الورم، وهو أمر كان من الصعب تحديده بدقة باستخدام الأساليب التقليدية.
ويعتقد الفريق العلمي أن هذا النموذج قد يساعد في فهم كيفية تحول بعض الأورام من حالة موضعية إلى حالة نقيلية، أي قادرة على الانتشار إلى أعضاء أخرى في الجسم.
اكتشاف بصمة خفية للخلايا القادرة على الانتشار
وخلال تجاربهم على خلايا سرطان الجلد، لاحظ العلماء أن الخلايا السرطانية القادرة على الانتشار – المعروفة بالخلايا النقيلية – تستهلك كميات كبيرة من الطاقة بشكل مستمر أثناء تعرضها للتشوه.
والمثير للاهتمام أن هذا الاستهلاك المرتفع للطاقة ظل ثابتًا تقريبًا بغض النظر عن قوة الضغط الخارجي المفروض على الخلية، ما اعتبره الباحثون بصمة خفية تميز الخلايا العدوانية عن غيرها من الخلايا الأقل قدرة على الانتشار.
هذا الاكتشاف دفع العلماء إلى تطوير مؤشر قياسي جديد أطلقوا عليه اسم “تردد تبديد الطاقة”، وهو مقياس يعكس كمية الطاقة التي تفقدها الخلية أثناء تغير شكلها تحت الضغط.
مؤشر جديد قد يساعد في التشخيص المبكر
ووفقًا للدراسة، فإن القيم المرتفعة والمستقرة لمؤشر “تردد تبديد الطاقة” قد تشير إلى أن الخلايا السرطانية تمتلك قدرة عالية على الانتقال إلى أجزاء أخرى من الجسم، وهو ما يعد أحد أخطر مراحل المرض.
ويرى الباحثون أن هذا المؤشر يمكن أن يشكل أداة تشخيصية مهمة في المستقبل، حيث قد يتم تطوير اختبار طبي يعتمد على تحليل مرونة خلايا الورم تحت الضغط، ثم حساب بصمة استهلاكها للطاقة باستخدام برنامج حاسوبي متخصص.
وفي حال أظهرت النتائج أن بصمة استهلاك الطاقة مرتفعة وثابتة، فقد يكون ذلك دليلاً على أن الورم يمتلك قابلية عالية للانتشار حتى لو كان حجمه صغيرًا.
آفاق واعدة لتطوير أدوات طبية جديدة
ويأمل العلماء أن يساهم هذا الابتكار في تحسين طرق تقييم خطورة الأورام السرطانية، وتقديم معلومات أدق للأطباء حول احتمالات انتشار المرض داخل الجسم.
كما يمكن أن يساعد هذا النموذج في توجيه قرارات العلاج بشكل أفضل، سواء عبر التدخل المبكر أو اختيار أساليب علاج أكثر دقة تستهدف الخلايا الأكثر عدوانية.
ويرى خبراء أن الجمع بين الرياضيات والبيولوجيا الخلوية يمثل أحد الاتجاهات الحديثة في الأبحاث الطبية، حيث يمكن للنماذج الرياضية المتقدمة أن تكشف أنماطًا خفية في سلوك الخلايا لا يمكن ملاحظتها بسهولة بالطرق التقليدية.
ومع استمرار الأبحاث والتجارب السريرية، قد يصبح هذا النموذج خطوة مهمة نحو تطوير أدوات تشخيصية جديدة تساعد في الكشف المبكر عن السرطان والتنبؤ بمسار المرض بدقة أكبر، الأمر الذي قد يساهم في تحسين فرص العلاج والنجاة لدى المرضى حول العالم.




