منوعات

مسلة الحماداب.. هل حفظت لنا كوش سجل حرب أماني ريناس ضد روما؟

حرب وضعت مملكة كوش في مواجهة الإمبراطورية الرومانية

الخرطوم | برق السودان

تقف مسلة الحماداب بوصفها واحدة من الشواهد المهمة على تاريخ مملكة كوش في العصر المروي، ليس فقط بسبب النص المروي المنقوش عليها، وإنما لما قد تحمله من إشارات إلى واحدة من أشهر المواجهات العسكرية في تاريخ السودان القديم: الحرب بين الكوشيين والإمبراطورية الرومانية في أواخر القرن الأول قبل الميلاد.

وترتبط المسلة بالملكة الكوشية أماني ريناس وبالحاكم أكينداد، وعُثر عليها في موقع الحماداب الأثري، إلى الجنوب من مدينة مروي القديمة. وهي محفوظة حالياً ضمن مقتنيات المتحف البريطاني في لندن.

وتنبع أهمية المسلة من نصها المكتوب باللغة المروية، وهي لغة ما تزال قدرتنا على فهم نصوصها محدودة. فرغم إمكانية قراءة كثير من علاماتها وأسماء الأعلام، لا تزال أجزاء واسعة من اللغة المروية غير مفهومة بما يسمح بترجمة كاملة ومؤكدة للنقوش الطويلة.

لهذا السبب، لا يستطيع الباحثون القول بصورة قاطعة إن المسلة تقدم رواية تفصيلية للحرب الكوشية–الرومانية، لكن ورود أسماء وأماكن ومفردات ضمن سياق تاريخي قريب من تلك المواجهة جعلها مرشحاً مهماً لتكون سجلاً كوشياً لأحداث ارتبطت بالصراع مع روما.

حرب وضعت مملكة كوش في مواجهة الإمبراطورية الرومانية

اندلعت المواجهة بين كوش وروما بعد أن أصبحت مصر تحت الحكم الروماني عقب سقوط دولة البطالمة. وفي العقود الأخيرة من القرن الأول قبل الميلاد، تحول جنوب مصر وشمال مملكة كوش إلى ساحة صراع بين القوتين.

وتشير المصادر الكلاسيكية إلى هجمات كوشية على مواقع خاضعة للرومان في جنوب مصر، أعقبها رد عسكري روماني بقيادة الحاكم الروماني في مصر غايوس بترونيوس، الذي توغل جنوباً ووصل إلى مناطق داخل المملكة الكوشية.

وترتبط أماني ريناس بهذه المرحلة باعتبارها إحدى أشهر «الكنداكات» في التاريخ الكوشي. وتقدم المصادر الرومانية روايتها الخاصة عن الحرب، لكن أهمية مسلة الحماداب تكمن في احتمال أنها تمنح الباحثين نافذة مختلفة على الأحداث، مصدرها كوش نفسها لا خصومها الرومان.

وهنا تبرز مشكلة تاريخية مهمة: جانب كبير مما نعرفه عن تلك الحرب وصل عبر كتابات يونانية ورومانية، بينما لا تزال الرواية الكوشية المباشرة أكثر صعوبة في القراءة بسبب عدم فك اللغة المروية بصورة كاملة.

ومن ثم فإن المسلة لا ينبغي التعامل معها باعتبارها «وثيقة مترجمة للحرب ضد روما»، وإنما بوصفها نصاً ملكياً مروياً من المرحلة التاريخية ذاتها، يحمل أسماء وإشارات دفعت الباحثين إلى مناقشة علاقته بتلك المواجهات.

وانتهى الصراع في نهاية المطاف بتسوية بين كوش وروما، رسخت حدوداً وعلاقة مختلفة بين القوتين، وأظهرت قدرة المملكة الكوشية على التعامل مع قوة كانت تهيمن آنذاك على مساحات واسعة من البحر المتوسط.

نص نقرأ حروفه ولا نفهم كل أسراره

تجعل اللغة المروية مسلة الحماداب أكثر إثارة من الناحية الأثرية. فقد تمكن الباحثون من فك نظام الكتابة المروية وقراءة أصوات كثير من علاماتها، لكن فهم اللغة نفسها لا يزال جزئياً.

وهذا الفارق مهم؛ إذ يستطيع الباحث قراءة أسماء وبعض الكلمات والتراكيب على النقش، من دون أن يعني ذلك قدرته على تقديم ترجمة متصلة ودقيقة لكل ما يقوله النص.

لذلك تظل فرضية ارتباط المسلة بالحرب الكوشية–الرومانية مجالاً للبحث والتفسير، ويمكن لاكتشاف نصوص مروية جديدة أو إحراز تقدم في فهم اللغة أن يغير مستقبلاً الطريقة التي تُقرأ بها الوثيقة.

كما تمنح المسلة أهمية خاصة لدراسة التاريخ من منظور محلي. فإذا أمكن في المستقبل فهم نصها بدرجة أكبر، فقد تساعد في مقارنة ما سجله الكوشيون عن عصر أماني ريناس بما كتبه الرومان عن الأحداث نفسها، بدلاً من الاعتماد بصورة أساسية على رواية الطرف الروماني.

وتتجاوز قيمة مسلة الحماداب، بهذا المعنى، كونها قطعة أثرية محفوظة في متحف؛ فهي جزء من أرشيف سوداني قديم ما زال مغلقاً جزئياً أمام الباحثين.

وبينما نعرف أن كوش واجهت روما وأن أماني ريناس ارتبطت بتلك المرحلة، يبقى السؤال الذي يجعل المسلة استثنائية مفتوحاً: هل تحمل أحجار الحماداب بالفعل الرواية الكوشية للحرب التي نعرف تفاصيلها اليوم أساساً من مصادر خصوم كوش؟

الإجابة قد تكون موجودة بالفعل على سطح المسلة، لكن اللغة المروية لم تكشف بعد كل أسرارها.

اقرأ أيضا

من الميناء إلى المائدة: سلطة بورتسودان تحوّل شح الدولار إلى غلاء يومي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى