72 ألف كيلومتر مربع من السودان لمصر.. مصدر عسكري يثير ملف الأراضي وقصف المعدّنين يفتح أسئلة السيادة
معلومات منسوبة إلى مصدر داخل المؤسسة العسكرية السودانية تتحدث عن ترتيبات تتعلق بأراضٍ بعمق 60 كيلومتراً داخل السودان، فيما تكشف غارات مناجم الذهب ومحدودية الإفصاح الرسمي عن أسئلة معلقة بشأن الحدود والسيادة وطبيعة التفاهمات بين الخرطوم والقاهرة
تحقيق استقصائي | خاص
في أقصى شمال السودان، حيث تمتد الصحراء وتتداخل طرق التعدين التقليدي مع المناطق الحدودية المتنازع عليها، تتصاعد تساؤلات بشأن مستقبل الأراضي السودانية وطبيعة الترتيبات الأمنية والسياسية القائمة بين الخرطوم والقاهرة، بعد معلومات من مصدر داخل المؤسسة العسكرية السودانية تتحدث عن ترتيبات قد تشمل أراضي بعمق يصل إلى 60 كيلومتراً داخل السودان، وبمساحة إجمالية تبلغ نحو 72 ألف كيلومتر مربع.
وتكتسب هذه المعلومات أهمية خاصة في أعقاب الغارات الجوية التي استهدفت مواقع للتعدين الأهلي قرب الحدود المصرية في أكتوبر 2026، وأسفرت عن سقوط عشرات القتلى والجرحى، وسط اتهامات وجهتها منظمات حقوقية سودانية إلى الطيران المصري، دون أن تتوصل التحقيقات المعلنة إلى تحديد مسؤولية الجهة المنفذة بصورة نهائية.
مواد ذات صلة
وتضع هذه التطورات ملف السيادة السودانية أمام اختبار يتجاوز واقعة القصف نفسها، ليمتد إلى طبيعة السيطرة الفعلية على المناطق الحدودية، ومدى وجود تفاهمات غير معلنة، وحدود ما تعرفه المؤسسات المدنية والرأي العام عن القرارات المتعلقة بالأرض والموارد الطبيعية.
72 ألف كيلومتر مربع.. مساحة دولة كاملة ومصدر عسكري يفتح ملف الحدود
وفق المصدر من داخل المؤسسة العسكرية السودانية، فإن هناك ترتيبات تتعلق بأراضٍ سودانية تمتد بعمق 60 كيلومتراً داخل الحدود، وتبلغ مساحتها المفترضة نحو 72 ألف كيلومتر مربع. وتعادل هذه المساحة تقريباً مساحة دول مستقلة، بل تتجاوز مساحة سيراليون البالغة نحو 71,740 كيلومتراً مربعاً، وإيرلندا البالغة نحو 70,273 كيلومتراً مربعاً، وجورجيا التي تبلغ مساحتها نحو 69,700 كيلومتر مربع.
ويكتسب الملف حساسية إضافية بالنظر إلى النزاع التاريخي بين السودان ومصر بشأن مثلث حلايب وشلاتين، حيث تتمسك الخرطوم بمطالبتها بالمنطقة، بينما تمارس القاهرة السيطرة الفعلية عليها وتعتبرها جزءاً من أراضيها.
72 ألف كيلومتر مربع ليست مجرد مساحة على الخريطة؛ إنها مساحة تتجاوز مساحة دول مستقلة، وأي اتفاق يمس سيادتها يستوجب كشف الوثائق والأساس القانوني والجهات التي أجازته
وفي المقابل، تفتح وقائع استهداف المعدّنين نافذة أخرى على كيفية إدارة السلطات السودانية للأزمات الحدودية، وعلى مستوى الشفافية المصاحب للقرارات والإجراءات المتخذة بشأنها.
دماء المعدّنين ولجان التحقيق.. هل تكشف الغارات حدود الموقف السوداني؟
في العاشر من أكتوبر 2026، تعرضت مواقع للتعدين التقليدي عن الذهب قرب الحدود السودانية المصرية لغارات جوية، وفق إفادات ناجين وتقارير منظمات حقوقية ووسائل إعلام دولية.
وأعلنت مجموعة «محامو الطوارئ» مقتل 72 معدّناً مدنياً، متهمة الطيران المصري بتنفيذ الهجوم في منطقة شمال الوادي داخل الأراضي السودانية. وفي المقابل، وثقت شبكة أطباء السودان حصيلة أولية بلغت 13 قتيلاً و28 مصاباً، بينما تحدث ناجون لوسائل إعلام عن أعداد أكبر بكثير.
ولا يمكن جمع هذه الأرقام أو التعامل معها باعتبارها حصيلة نهائية موحدة، بسبب اختلاف مصادرها وعدم اكتمال التحقق المستقل من جميع مواقع الضربات والضحايا.
ونقلت وكالة أسوشيتد برس عن أحد الناجين وصفه هجوماً شنته طائرة مجهولة على موقع تعدين في منطقة جبلية، فيما أوردت تقارير أخرى شهادات عن فرار أعداد كبيرة من العاملين خشية تجدد الغارات. ولم تكن أحداث أكتوبر معزولة عن سوابق مشابهة؛ إذ شهدت المنطقة الحدودية خلال يونيو 2026، اتهامات بوقوع هجمات على مواقع التعدين، أعقبها تعهد من رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان بإجراء تحقيق. لكن نتائج ذلك التحقيق السابق لم تكن قد أُعلنت للرأي العام عند وقوع غارات أكتوبر.
وفي 12 أكتوبر، أعلن مجلس السيادة السوداني تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، تضم ممثلين عن النيابة العامة والجهات العدلية والأمنية المختصة، للتحقيق في ملابسات الحادثة ورفع تقرير بنتائجها. وجاء البيان الرسمي مؤكداً مسؤولية الدولة عن حماية المواطنين وصون سلامتهم وكرامتهم، مشيراً إلى استمرار التواصل بين القيادتين السودانية والمصرية منذ وقوع الحادث.
غير أن البيان لم يسمِّ الجهة التي نفذت الهجوم، ولم يحدد موعداً لإعلان نتائج اللجنة، وهو ما يفتح باب المساءلة بشأن سرعة التحقيق وشفافيته، ومدى قدرة مؤسسات الدولة على تحديد المسؤوليات وإطلاع أسر الضحايا والرأي العام على النتائج.
على الجانب المصري، أعلنت القوات المسلحة المصرية تنفيذ إجراءات لمكافحة التعدين غير القانوني والتهريب في المناطق التي تعتبرها واقعة ضمن حدودها، دون أن يشكل ذلك إقراراً مباشراً بمسؤوليتها عن الغارة المحددة التي وقعت في أكتوبر.
ويعيد هذا التباين بين الاتهامات الحقوقية والمواقف الرسمية إلى الواجهة سؤال تحديد الحدود والإحداثيات التي وقع فيها الهجوم، وما إذا كانت السلطات السودانية تمتلك سجلات ميدانية وخرائط يمكن تقديمها لإثبات الموقع والاختصاص القانوني.
تشكيل لجنة تحقيق خطوة أولى، لكنه لا يعوض إعلان النتائج وتحديد المسؤوليات. وحماية السيادة تبدأ بتحديد مكان الاعتداء وكشف الجهة المنفذة وضمان حقوق الضحايا
الوثائق الغائبة والأسئلة التي تنتظر الإجابة
تظل القضية المتعلقة بمساحة 72 ألف كيلومتر مربع مفتوحة على أسئلة جوهرية: من الجهة التي تفاوضت بشأن هذه الأراضي؟ وما طبيعة الاتفاق؟ وهل يتعلق الأمر بانتشار أمني أم باستغلال موارد طبيعية أم بتعديل حدود؟ وهل عُرض أي تفاهم على المؤسسات المختصة داخل السودان؟
كما يبرز سؤال عن مدى اطلاع الجهات العدلية والتشريعية، أو المؤسسات التي تقوم مقامها في ظل الظروف الاستثنائية، على أي ترتيبات يمكن أن تؤثر في الحقوق السيادية للدولة.
ومن جانب آخر، فإن الوصول إلى حقيقة ما جرى في مناجم الذهب يتطلب إعلان إحداثيات مواقع القصف، ونتائج الفحوص الفنية لبقايا الذخائر، وسجلات الضحايا، والشهادات الميدانية، وأي مراسلات دبلوماسية جرت بين الخرطوم والقاهرة بشأن الحادث.
وفي حال ثبتت مسؤولية جهة عسكرية عن استهداف المدنيين بصورة غير مشروعة، فإن المسألة تتجاوز الخلاف السياسي إلى ضرورة إجراء تحقيق مستقل وفعال وتحديد المسؤوليات وضمان سبل الانتصاف للمتضررين.
أما إذا ظهرت وثائق تثبت وجود ترتيبات حدودية غير معلنة، فستكون هناك حاجة إلى تحديد طبيعتها القانونية، والجهات التي وافقت عليها، وما إذا كانت قد أثرت فعلياً في سيطرة السودان على الأرض أو موارده الطبيعية.
تكشف معلومات المصدر العسكري من داخل المؤسسة العسكرية السودانية، بشأن مساحة تبلغ 72 ألف كيلومتر مربع، عن أمر بالغ الخطورة، وفي المقابل.
اجتماع هذه الملفات يضع أمام السودانيين أسئلة مشروعة حول من يملك القرار في المناطق الحدودية، وكيف تُدار مواردها، وما الضمانات التي تحول دون المساس بسيادة البلاد أو تعريض مواطنيها للخطر.
أقرأ ايضا




