برق السودان | تحليل
يمثل توقيع السودان والمملكة العربية السعودية وثيقة إنشاء مجلس التنسيق السعودي–السوداني خطوة جديدة في مسار العلاقات بين البلدين، غير أن الإعلان، رغم ما يحمله من رسائل إيجابية بشأن تعزيز التعاون، يفتح في المقابل جملة من التساؤلات حول توقيته وقدرته على إنتاج نتائج عملية في ظل الظروف السياسية والأمنية المعقدة التي يعيشها السودان.
ووقّع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، ووزير الخارجية والتعاون الدولي السوداني محيي الدين سالم أحمد إبراهيم، في الرياض، وثيقة إنشاء المجلس ليكون منصة مؤسسية لتطوير العلاقات الثنائية وتحويل التعاون إلى مبادرات ومشاريع ومستهدفات مشتركة.
شرعية التمثيل واستدامة الاتفاقات
أبرز التحديات التي تواجه المجلس تتعلق بالواقع السياسي السوداني نفسه. فالسودان يعيش حرباً وانقساماً سياسياً ومؤسسياً، ولا تزال التسوية السياسية الشاملة غائبة، ما قد يثير تساؤلات حول مدى قدرة المؤسسات القائمة حالياً على إبرام ترتيبات استراتيجية طويلة الأجل تظل مستقرة وقابلة للاستمرار بعد انتهاء الحرب أو حدوث تغييرات سياسية واسعة.
كما أن إنشاء مؤسسة ثنائية جديدة في هذه المرحلة قد يجعل نجاحها مرتبطاً بدرجة كبيرة بمسار الأزمة السودانية، خصوصاً إذا تغيرت تركيبة السلطة أو أُنشئت مؤسسات انتقالية جديدة ضمن أي تسوية مستقبلية.
مجلس جديد أم نتائج جديدة؟
التحدي الآخر يتمثل في الانتقال من الإعلان الدبلوماسي إلى التنفيذ. فالعلاقات بين الدول كثيراً ما شهدت إنشاء لجان ومجالس مشتركة لم تحقق جميعها النتائج الاقتصادية والاستثمارية المعلنة.
وبالتالي، فإن القيمة الحقيقية للمجلس لن تتحدد بتوقيع وثيقة تأسيسه، وإنما بحجم المشروعات التي سينفذها، والاستثمارات التي سيتم تحريكها، وقدرته على معالجة العقبات التي تواجه التعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين.
الحرب تعقّد فرص الاستثمار
يمتلك السودان فرصاً كبيرة في قطاعات الزراعة والثروة الحيوانية والتعدين والموانئ والطاقة، وهي مجالات يمكن أن تستقطب اهتماماً سعودياً واسعاً. لكن استمرار الحرب وانعدام الاستقرار الأمني وتضرر البنية التحتية يمثل عوامل تحد بشدة من إمكانية تحويل التفاهمات السياسية إلى استثمارات كبيرة في المدى القريب.
كما أن أي مشاريع استراتيجية تحتاج إلى بيئة قانونية ومؤسسية مستقرة وضمانات لحماية الاستثمارات، وهي شروط يصعب توفيرها بصورة كاملة في ظل الحرب الحالية.
مخاوف من اختلال الأولويات
في المقابل، قد يثير التركيز على بناء أطر تعاون طويلة المدى تساؤلات لدى السودانيين بشأن الأولويات العاجلة، في وقت تواجه فيه البلاد أزمة إنسانية واقتصادية واسعة وتحتاج إلى جهود مكثفة لوقف الحرب، واستعادة الخدمات الأساسية، وإعادة الإعمار.
ولهذا فإن نجاح المجلس سيعتمد أيضاً على مدى قدرته على ربط التعاون الثنائي بالاحتياجات المباشرة للسودانيين، بدلاً من اقتصاره على التفاهمات السياسية والاقتصادية العليا.
الاختبار في المخرجات
إنشاء مجلس التنسيق السعودي–السوداني يمنح البلدين قناة مؤسسية يمكن البناء عليها، لكنه لا يمثل في حد ذاته تحولاً استراتيجياً ما لم يتبعه برنامج واضح بمواعيد ومشاريع وتمويل وآليات متابعة.
وفي ظل هشاشة المشهد السوداني، سيكون الاختبار الحقيقي للمجلس هو قدرته على الاستمرار بعيداً عن تغير الحكومات، وتحقيق نتائج ملموسة للسودان، وضمان أن تقوم العلاقة على مصالح متوازنة وشفافة، لا على ترتيبات مرحلية تفرضها ظروف الحرب.
وبذلك، تبقى الخطوة ذات أهمية دبلوماسية، لكن الحكم على قيمتها الفعلية سيكون مرتبطاً بما سيأتي بعدها، وليس بما حمله حفل التوقيع من عبارات عن التعاون والتكامل.
اقرأ أيضا
«كارلوس الثعلب» يعيد فتح ملف هجوم أوبك: القذافي أمر بعملية اغتيال اليماني




