الأخبار

من مهرجانات إريتريا إلى المحكمة الاتحادية.. ألمانيا تضع قياديين من معارضي أسمرا في الحبس الاحتياطي

النيابة الاتحادية تشتبه في عضوية الرجلين في «Brigade N’Hamedu Deutschland» والمشاركة في بناء هياكلها وتنظيم أعمال عنف.. والاتهامات لا تزال قيد التحقيق

برلين | برق السودان

انتقل الصراع السياسي داخل الشتات الإريتري في ألمانيا إلى مستوى قضائي وأمني أكثر حساسية، بعد توقيف رجلين تشتبه النيابة الاتحادية الألمانية في انتمائهما إلى قيادة فرع «Brigade N’Hamedu Deutschland» المعارض للحكومة الإريترية، ووضعهما رهن الحبس الاحتياطي على ذمة التحقيق في الاشتباه بالعضوية في منظمة إرهابية محلية.

وأعلنت النيابة الاتحادية أن السلطات أوقفت في 15 سبتمبر 2026 المواطن الإريتري Merhawi A. والمواطن الألماني Shimangus T. في شتوتغارت ومحيط ساربروكن، تنفيذاً لمذكرتي توقيف أصدرهما قاضي التحقيق في المحكمة الاتحادية في 17 أغسطس.

وبحسب السلطات الألمانية، يُشتبه في أن الرجلين اضطلعا بأدوار قيادية داخل التنظيم وشاركا بصورة أساسية في بناء هياكله داخل ألمانيا وتنظيم أنشطة عنيفة مرتبطة بفعاليات إريترية.

ولا تمثل هذه الاتهامات حكماً قضائياً نهائياً؛ فالرجلان لا يزالان متهمين في مرحلة التحقيق، وتظل المسؤولية الجنائية من اختصاص القضاء الألماني.

من المعارضة السياسية إلى تحقيق اتحادي بالإرهاب

تقول النيابة الاتحادية الألمانية إن «Brigade N’Hamedu» شبكة دولية معارضة لحكومة الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، وإن فرعها الألماني يسعى إلى المساهمة في إسقاط الحكومة الإريترية.

لكن القضية الألمانية لا تستند، بحسب السلطات، إلى مجرد معارضة حكومة أسمرا أو النشاط السياسي ضدها. محور التحقيق هو الاشتباه في استخدام العنف داخل ألمانيا لتحقيق أهداف التنظيم. وتقول النيابة إن أعضاء في الفرع الألماني اعتبروا العنف ضد مؤسسات الدولة والشرطة الألمانية وسيلة مشروعة، وإن التنظيم ارتبط بأعمال عنف وقعت على هامش فعاليات إريترية.

 

وبحسب Tagesschau، تعتقد السلطات أن أحد الموقوفين شغل لفترة منصب الأمين العام للتنظيم، بينما كان الآخر رئيسه الأول، وتشتبه في اضطلاعهما بدور محوري في إنشاء الهياكل التنظيمية وترتيب التحركات العنيفة. ومن بين الأحداث التي تركز عليها التحقيقات مواجهات شهدتها شتوتغارت عام 2023، عندما اندلعت اشتباكات على هامش فعالية إريترية.

جذور القضية تعود إلى مواجهات المهرجانات

لم تبدأ التحقيقات بالاعتقالات الأخيرة. فخلال السنوات الماضية شهدت مدن ألمانية مواجهات عنيفة مرتبطة بفعاليات تنظمها جهات إريترية تُوصف بأنها قريبة من حكومة أسمرا، بينما نظم معارضون إريتريون احتجاجات ضدها. وشهدت مدينة غيسن، على سبيل المثال، اضطرابات مرتبطة بمهرجانات إريترية في عامي 2022 و2023، فيما شهدت شتوتغارت مواجهات أخرى. ويصف معارضون بعض هذه المهرجانات بأنها أدوات دعائية لحكومة أسمرا، وهو توصيف يعترض عليه منظمو الفعاليات. ومع تكرار أعمال العنف، تحولت القضية تدريجياً من خلاف سياسي داخل الجالية إلى ملف يتعلق بالأمن الداخلي الألماني.

والفارق مهم: السلطات لا تحقق في شرعية معارضة الحكومة الإريترية سياسياً، وإنما في الاشتباه بتكوين تنظيم يستخدم العنف داخل الأراضي الألمانية.

19 موقعاً تحت التفتيش قبل الاعتقالات

تكشف الاعتقالات الأخيرة أيضاً أن التحقيق يجري منذ فترة طويلة وعلى نطاق يتجاوز شخصين. ففي مارس 2025، نفذت السلطات الألمانية عملية واسعة شملت تفتيش 19 موقعاً في ولايات ألمانية عدة، بينها هيسن وشمال الراين–وستفاليا وبافاريا وبادن–فورتمبيرغ ومكلنبورغ–فوربومرن وراينلاند–بفالتس. وشارك في العملية نحو 200 عنصر من الشرطة الجنائية الاتحادية وقوات الشرطة في الولايات، بحسب Tagesschau. كما نُفذت عملية تفتيش مرتبطة بالتحقيق في الدنمارك.

ولم تسفر تلك المداهمات حينها عن اعتقالات، لكنها أظهرت أن السلطات كانت تجمع الأدلة بشأن هياكل التنظيم وأنشطته قبل أكثر من عام من توقيف الرجلين.

ماذا يعني الحبس الاحتياطي؟

الحبس الاحتياطي لا يعني إدانة الرجلين بالتهم المنسوبة إليهما. فهو إجراء قضائي أثناء التحقيق، بينما يتطلب إثبات المسؤولية الجنائية استكمال الإجراءات وتقديم الأدلة أمام المحكمة إذا قررت النيابة إحالة القضية إلى المحاكمة. لكن انتقال القضية إلى النيابة الاتحادية والمحكمة الاتحادية يعكس مستوى الخطورة القانونية التي تنظر بها السلطات الألمانية إلى الاتهامات. وتتمحور القضية، وفق المعلومات المعلنة حتى الآن، حول الاشتباه بالعضوية في «جمعية إرهابية محلية» والمشاركة في أنشطتها.

ماذا تعني القضية للشتات الإريتري؟

ربما تكمن الدلالة الأوسع للقضية خارج قاعة المحكمة. فالجالية الإريترية في أوروبا تعيش منذ سنوات انقساماً سياسياً حاداً بين مؤيدي حكومة أسمرا ومعارضيها، وتحولت بعض المهرجانات والفعاليات الثقافية والسياسية إلى نقاط احتكاك بين الطرفين.

ومع وصول أحد هذه الملفات الآن إلى تحقيق اتحادي يتعلق بالإرهاب، تصبح الحدود بين النشاط السياسي المشروع وأعمال العنف قضية أكثر حساسية بالنسبة إلى السلطات الأوروبية والجاليات الإريترية معاً.

وقد يدفع الملف السلطات في ألمانيا ودول أوروبية أخرى إلى زيادة التدقيق الأمني في الفعاليات التي شهدت سابقاً مواجهات، لكن لا توجد حتى الآن معلومات تسمح بالجزم بأن القضية ستقود إلى إجراءات أوروبية أوسع ضد الحركة أو النشاط السياسي الإريتري المعارض عموماً.

كما ينبغي عدم مساواة أعضاء الجالية الإريترية المعارضة للحكومة أو المشاركين في الاحتجاجات بأشخاص تلاحقهم السلطات جنائياً؛ فالتحقيق الحالي يتعلق بأشخاص وأنشطة محددة، وتبقى حرية النشاط السياسي السلمي مسألة منفصلة عن الاتهامات الجنائية المتعلقة بالعنف.

صراع إريتري يُحسم الآن أمام القضاء الألماني

تكشف القضية عن تحول لافت في مسار الصراع داخل الشتات. ما بدأ باحتجاجات مضادة لمهرجانات إريترية ومواجهات بين مؤيدين ومعارضين لحكومة أسمرا أصبح اليوم موضوع تحقيق لدى أعلى سلطة ادعاء جنائي في ألمانيا. لكن المرحلة الحالية لا تزال مرحلة اتهام وتحقيق.

وسيكون الاختبار الأساسي في الخطوات المقبلة هو الأدلة التي تستطيع النيابة تقديمها لإثبات وجود هيكل تنظيمي إرهابي، وطبيعة الأدوار التي تنسبها إلى المتهمين، ومدى ارتباط القيادة بأعمال العنف التي شهدتها الفعاليات الإريترية. وبذلك تفتح القضية سؤالاً أكبر أمام الشتات الإريتري في أوروبا:

هل تبقى المواجهة بين مؤيدي ومعارضي أسمرا صراعاً سياسياً داخل الجاليات، أم أن أحداث العنف المتكررة ستدفع السلطات الأوروبية إلى التعامل مع أجزاء منه باعتبارها ملفاً من ملفات الأمن الداخلي؟

اقرأ ايضا

من جيجيغا إلى السودان.. هل تموّل السعودية تدريب مقاتلين صوماليين للقتال إلى جانب الجيش؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى