حراس المعبد.. كيف صنع الكيزان حراساً من خارج التنظيم؟
مقال رأى | ✍🏼 أحمد عثمان محمد المبارك
خلف كل نظام شمولي، يقف جيش خفي لا يحمل بطاقات عضوية، بل يحمل مخاوفه وهواجسه.. وفي هذا المقال سنحاول تسليط الضوء على آليات السيطرة الذهنية التي انتهجها النظام البائد، وكيف نجح في تجنيد عقول البسطاء ليكونوا (حراساً لمعبدهم)، وسياجاً يحمي الجلاد من رياح التغيير.
نجح نظام الكيزان طوال ثلاثين عاماً في خلط الأوراق، فصنع جيلاً من الهجناء الذين يدافعون عن المنظومة وهم ليسوا منها، تماماً كخيلٍ تظن أن أمنها في علف النظام لا في أصالة المبدأ.
إن دفاع المواطن العادي البسيط، الذي لا يحمل اي توجه سياسي، عن الكيزان ليس حباً فيهم، بل هو خوف مرضي من القادم المجهول. فقد تم تصوير البدائل المدنية ككيانات علمانية هادمة للدين أو عميلة للخارج، وهذا ما جعل البعض يفضل (شيطاناً يعرفه على ملاكاً لا يثق فيه).
لقد أدي تغلغل التنظيم الاخواني في مفاصل الدولة، الى دمج قسري في وعي المواطن بين مؤسسات الدولة وبين النظام الحاكم. فاصبح البعض يرى أن أي نقد حاد للكيزان هو استهداف لهيبة الدولة أو تفتيت للجيش أو الأجهزة الأمنية. فمثل هؤلاء الأشخاص يدافعون عن الاستقرار المتوهم الذي كان يوفره النظام البائد، ويرون في أصوات السلام أو التغيير دعوات للضعف والارتهان.
كما أن استخدام الكيزان للمقدس كترس يحتمي خلفه، جعل الشخص البسيط غير المسيس يشعر بوخز ضمير فطري إذا انتقد أي توجه ديني إسلامي حتى لو كان يعلم فساد هذه التوجه. كما أن العداء لأصوات السلام غالباً ما ينبع من تعبئة إعلامية صورت الحرب كمعركة كرامة أو حرب بقاء وجودي، بالقدر الذي يجعل المناداة بالسلام تبدو في نظرهم كخيانة أو استسلام. وفي بعض الأحيان لا ينبع دفاع البعض عن الكيزان من قناعة بهم، بل قد ينبع من عدائهم لخصومهم.
فإذا وجد الشخص نفسه يكره القوى المدنية لأي سبب من الأسباب، عرقية، أو أيديولوجية، فإنه يتبنى تلقائياً خطاب الكيزان كسلاح ضد من يكرههم. فهي إذن حالة من (عدو عدوي صديقي)، ويصبح الكيزان هنا هم الأداة المتاحة لضرب الخصم الآخر.
هذا بالأضافة الى الطبقة العريضة التي تشكلت حول النظام من أصحاب المصالح الصغار، منهم موظفون، وتجار لم يكونوا أعضاء في التنظيم، لكن (سيستم) حياتهم ارتبط بوجود ذلك النظام، فمثل هؤلاء يرون في أي صوت يطالب بالتغيير أو السلام القائم على العدالة تهديداً لوضعهم الراهن الذي يفهمون قواعده ويجيدون اللعب فيه. وهنا يظهر ما يمكن ان نسميه (الكوزنة الذهنية) لدى غير المنتمين وهي ظاهرة أخطر من التنظيم نفسه؛ لأنها تعني أن النظام نجح في استعمار العقول وزراعة منظومته القيمية في تربة المجتمع. هؤلاء ليسوا بالضرورة شركاء في الفساد المالي، لكنهم ضحايا فساد الوعي الذي يجعل الإنسان يقف ضد مصالحه الحقيقية المرتبطة بانسانيته وحقه في الحرية والسلام والعدالة ظناً منه أنه يحمي الوطن.
ولعل الظاهرة الأكثر إثارة للتأمل هي الردّة التي أصابت قطاعاً من الذين ملأوا الساحات في ديسمبر بهتافات الحرية والسلام والعدالة، ثم ما لبثوا أن انقلبوا على مبادئها مع أول أزيز للرصاص. هؤلاء سقطوا في فخ (الابتزاز الوطني) الذي نصبه إعلام النظام البائد ببراعة، حيث استُغلت أهوال الحرب لإعادة صياغة الوعي الجمعي، وتصوير القادة المدنيين والمطالبين بوقف الخرب والتحول الديمقراطي كسببٍ للخراب أو كغطاء سياسي للمليشيا. لقد نجحت الماكينة الإعلامية في تحويل الغضب من مُشعلي الحرب إلى المنادين بالسلام، مما جعل هؤلاء المنقلبين يتبنون خطاب الكيزان رغبةً في الانتقام من واقعٍ مرير لم يستطيعوا احتماله، أو بحثاً عن منقذ عسكري يعيد لهم طمأنينة ما قبل ما قبل الحرب.
وهكذا، تحول الثائر الذي كان يطالب بالدولة المدنية إلى شخص يرى في رفاق الأمس أعداءً للوطن، وفي جلادي الأمس حماةً للدين والعرض والوطن، ليثبت النظام البائد مرة أخرى أن قدرته على تفخيخ العقول وإدارة التناقضات كانت أقوى سلاحاً من ترسانته العسكرية.




