منوعات

حين أوقفت قافلة جمال مباراة أمريكية في بورتسودان.. حكاية مدمرة احتفلت بعيد الاستقلال عام 1964

من مباراة بيسبول توقفت لعبور الجمال إلى حفل موسيقي حضره 3 آلاف سوداني.. صحيفة أمريكية توثق زيارة استثنائية للمدمرة «يو إس إس فريد ت. بيري» إلى بورتسودان في يوليو 1964

بورتسودان | برق السودان

في مشهد طريف وثقته الصحافة الأمريكية قبل أكثر من ستة عقود، توقفت مباراة للبيسبول اللين كان يخوضها بحارة المدمرة الأمريكية «يو إس إس فريد ت. بيري» في حقل مفتوح خارج مدينة بورتسودان، لإفساح الطريق أمام قافلة من الجمال، بينما تجمع نحو 300 سوداني لمتابعة المباراة.

وجاءت الواقعة ضمن سلسلة من الأنشطة والاحتفالات التي نظمها طاقم المدمرة بمناسبة عيد الاستقلال الأمريكي خلال زيارتها إلى بورتسودان في يوليو 1964، وشملت عروضاً موسيقية ومباريات رياضية ولقاءات رسمية مع مسؤولين سودانيين.

وكشفت صحيفة «نيوبورت» الأمريكية، في تقرير مؤرخ في 24 يوليو 1964، تفاصيل تلك الزيارة التي تحولت من مناسبة بحرية رسمية إلى احتفال اجتماعي واسع، بلغ ذروته عندما قدمت الفرقة الموسيقية التابعة للمدمرة عرضاً أمام نحو 3 آلاف شخص في أحد ميادين المدينة.

وكانت المدمرة الأمريكية، المتمركزة في قاعدة نيوبورت والعاملة مع الأسطول السادس الأمريكي في البحر المتوسط، قد وصلت إلى بورتسودان خلال رحلتها البحرية، لتشهد المدينة احتفالات غير مألوفة بمناسبة ذكرى استقلال الولايات المتحدة.

وتقدم هذه الرواية التاريخية صورة مختلفة عن بورتسودان في ستينيات القرن الماضي، عندما كانت المدينة تمثل البوابة البحرية الرئيسية للسودان، ونقطة اتصال تجارية واجتماعية مع السفن القادمة من مناطق مختلفة من العالم.

موسيقى أمريكية في الميناء.. وقافلة جمال توقف مباراة البيسبول

بحسب التقرير التاريخي، استيقظ سكان بورتسودان على أنغام فرقة موسيقية حملت اسم «بيري بوبكاتس» (Berry Bobcats)، وهي فرقة تابعة لطاقم المدمرة الأمريكية، كان يقودها تيرنر كولينز، أحد أفراد الطاقم العاملين في تخصص مكافحة الحرائق.

وعزفت الفرقة لحن «ارفعوا المراسي» (Anchors Aweigh)، المرتبط بتقاليد البحرية الأمريكية، بينما كانت المدمرة تستعد للاحتفال بالمناسبة الوطنية.

وتزينت السفينة بأعلام الإشارة البحرية الملونة وفق تقليد احتفالي يُعرف باسم «تزيين السفينة»، حيث تُرفع الأعلام على امتدادها في مشهد يعكس الطابع الرسمي والاحتفالي للمناسبة.

لكن الأنشطة لم تقتصر على الميناء أو سطح المدمرة، إذ خرج عدد من البحارة إلى حقل مفتوح خارج المدينة لتنظيم نزهة ومباراة للبيسبول اللين، وهي إحدى الألعاب الرياضية الأمريكية.

وجذبت المباراة اهتمام السكان المحليين، حيث تجمع نحو 300 سوداني لمشاهدة البحارة وهم يمارسون رياضتهم في أجواء غير مألوفة بالنسبة إلى كثير من الحاضرين.

وخلال المباراة، وقعت الحادثة التي منحت الزيارة إحدى أكثر صورها طرافة، عندما اضطر اللاعبون إلى إيقاف اللعب مؤقتاً للسماح لقافلة من الجمال بعبور الملعب.

وسجل التقرير الصحفي الواقعة باعتبارها واحدة من المواقف اللافتة التي شهدتها الأنشطة الرياضية المصاحبة للاحتفال.

ويعكس المشهد التقاء نمطين مختلفين من الحياة اليومية؛ بحارة أمريكيون يمارسون لعبة ارتبطت بثقافتهم الرياضية، وقافلة جمال تعبر منطقة مفتوحة في مدينة سودانية تجمع بين تقاليد التجارة البرية وحركة الملاحة البحرية.

ولم يكن حضور المواطنين مجرد تفصيل عابر، إذ أظهر اهتماماً شعبياً بالأنشطة التي نظمها البحارة، وهو ما تكرر لاحقاً بصورة أكبر خلال العروض الموسيقية التي أقيمت في المدينة.

استقبال رسمي ومباراة مع البحرية السودانية.. 3 آلاف شخص في حفل موسيقي

امتدت الاحتفالات إلى سلسلة من اللقاءات الرسمية والاجتماعية التي جمعت ضباط المدمرة الأمريكية ومسؤولين سودانيين.

ووفقاً لما أوردته صحيفة نيوبورت، استضاف ضباط السفينة الحاكم العسكري لبورتسودان وقائد البحرية السودانية وعدداً من الضباط السودانيين، الذين تجولوا على متن المدمرة واطلعوا على مرافقها.

وانضم لاحقاً إلى بعض الأنشطة أفراد من الجاليتين الأمريكية والبريطانية، في أجواء جمعت بين الطابع العسكري والتواصل الاجتماعي.

وفي المساء، استضاف الحاكم العسكري ضباط المدمرة في حفل استقبال بفندق البحر الأحمر، أعقبه بوفيه أقيم على متن السفينة.

وشهدت المناسبة مشهداً رمزياً تمثل في قيام الحاكم العسكري لبورتسودان وقائد المدمرة، الكومندور فرانسيس ر. شريك، بقطع كعكات زُينت بالعلمين السوداني والأمريكي، في تعبير احتفالي عن الصداقة بين البلدين.

ولم تتوقف الأنشطة عند هذا الحد، إذ انتقل عدد من المشاركين إلى حفل أقامته مجموعة من المهندسين الأمريكيين على سطح أحد المباني، حيث قدمت فرقة «بيري بوبكاتس» عرضاً موسيقياً جديداً.

وفي عصر اليوم التالي، شارك ضباط المدمرة وكبار ضباط الصف في جولة جوية بطائرة هليكوبتر فوق المناطق المحيطة ببورتسودان، ضمن برنامج الزيارة.

وعادت الرياضة إلى واجهة الأحداث في الليلة التالية، عندما خاض فريق المدمرة الأمريكية مباراة لكرة السلة أمام فريق البحرية السودانية.

وانتهت المواجهة بفوز الفريق الأمريكي بنتيجة 40 مقابل 24 نقطة، في لقاء شكل جانباً آخر من التواصل بين العسكريين السودانيين والأمريكيين.

غير أن الحدث الجماهيري الأبرز جاء عندما طلب السكان عودة الفرقة الموسيقية الأمريكية لتقديم عرض جديد.

واستجابت فرقة «بيري بوبكاتس» للطلب، وأحيت حفلاً موسيقياً في ميدان المدينة أمام حشد قُدّر بنحو 3 آلاف شخص، وهو عدد لافت يعكس حجم الاهتمام الذي أثارته الزيارة بين سكان بورتسودان.

وبذلك تحولت زيارة سفينة حربية أجنبية إلى مناسبة اجتماعية واسعة، امتدت من الميناء إلى الفندق والميادين العامة والملاعب، وشارك في أنشطتها مسؤولون عسكريون ومدنيون وسكان محليون.

بورتسودان في ستينيات القرن الماضي.. مدينة تجمع البحر والصحراء

تكتسب هذه الرواية أهمية خاصة لأنها توثق جانباً من الحياة الاجتماعية في بورتسودان خلال السنوات الأولى التي أعقبت استقلال السودان في الأول من يناير 1956.

ففي عام 1964، كانت المدينة تؤدي دوراً محورياً باعتبارها الميناء البحري الرئيسي للبلاد، وتشكل حلقة وصل بين الاقتصاد السوداني وحركة التجارة والملاحة الدولية في البحر الأحمر.

وكان وصول السفن الأجنبية يتيح أشكالاً مختلفة من التواصل مع العالم الخارجي، لا تقتصر بالضرورة على الأنشطة التجارية والعسكرية، وإنما تشمل اللقاءات الاجتماعية والرياضية والثقافية.

وتكشف زيارة المدمرة «يو إس إس فريد ت. بيري» عن جانب من هذه العلاقات، حيث اجتمع ضباط البحرية الأمريكية مع مسؤولين سودانيين، بينما شارك السكان في مشاهدة المباريات والحفلات الموسيقية.

ومن اللافت أن التقرير الأمريكي لم يركز فقط على الاستقبالات الرسمية، بل خصص مساحة لتفاصيل الحياة اليومية، مثل مرور قافلة الجمال وسط مباراة البيسبول، وحضور المئات لمشاهدة لعبة غير مألوفة، وطلب الجمهور إعادة العرض الموسيقي.

وتمنح هذه التفاصيل المادة قيمتها بوصفها شهادة صحفية على أجواء المدينة في تلك الفترة، وإن كانت مكتوبة من منظور الصحيفة الأمريكية وطاقم السفينة.

كما أن المشاهد الواردة في التقرير تقدم صورة عن بورتسودان باعتبارها مدينة تتجاور فيها مظاهر الحياة التقليدية مع حركة الملاحة الدولية؛ فمن جهة تمر قوافل الجمال، ومن جهة أخرى ترسو سفن حربية وتجارية قادمة من وراء البحار.

ولا تكفي هذه الرواية وحدها لتحديد طبيعة العلاقات السياسية بين السودان والولايات المتحدة في تلك المرحلة، أو استنتاج مواقف سكان المدينة من الوجود العسكري الأمريكي، لكنها توثق لقاءات وأنشطة اجتماعية جرت خلال زيارة بحرية محددة.

24 يوليو 1964.. تاريخ نشر القصة لا عيد الاستقلال الأمريكي

تستدعي هذه المادة التاريخية توضيحاً مهماً بشأن التواريخ الواردة فيها.

فعيد الاستقلال الأمريكي يوافق 4 يوليو من كل عام، بينما يحمل التقرير المنسوب إلى صحيفة نيوبورت تاريخ 24 يوليو 1964.

ويُرجح أن التاريخ الأخير يمثل موعد نشر التقرير الصحفي، وليس يوم الاحتفال نفسه.

ولهذا فإن الصياغة التاريخية الأكثر دقة هي أن المدمرة الأمريكية نظمت احتفالات بعيد الاستقلال خلال زيارتها إلى بورتسودان في يوليو 1964، وأن صحيفة نيوبورت نشرت تقريراً عن تلك الأنشطة في 24 يوليو من العام نفسه.

أما تحديد الأيام الدقيقة للمباريات والحفلات والاستقبالات الرسمية، فيحتاج إلى الرجوع إلى النسخة الأصلية من الصحيفة أو سجلات تحركات المدمرة الأمريكية خلال تلك الفترة.

ويكتسب هذا التمييز أهمية في توثيق الأحداث التاريخية، خصوصاً عندما يُعاد نشر مواد صحفية قديمة بعد مرور عقود على صدورها.

حين تحفظ الصحافة تفاصيل تغيب عن كتب التاريخ

بعد أكثر من ستين عاماً، تبدو زيارة المدمرة الأمريكية إلى بورتسودان أكثر من مجرد محطة بحرية عابرة.

فبين الموسيقى التي صدحت في الميناء، والأعلام التي زينت السفينة، والمباراة التي توقفت لعبور الجمال، وحفل حضره آلاف السودانيين، تتشكل صورة حية لمدينة ساحلية كانت تستقبل زواراً من مختلف أنحاء العالم.

وتكشف القصة كيف يمكن لتقرير صحفي قصير أن يحتفظ بتفاصيل اجتماعية قد لا تجد طريقها إلى السجلات السياسية والعسكرية التقليدية.

فالتاريخ لا تصنعه القرارات الكبرى والحروب والاتفاقيات وحدها، بل تسهم في تشكيل ذاكرته أيضاً الأحداث الصغيرة التي تكشف كيف عاش الناس وتفاعلوا مع العالم من حولهم.

وفي حالة بورتسودان، تتيح هذه الرواية استعادة مشاهد من الحياة اليومية خلال ستينيات القرن الماضي، عندما اجتمع سكان المدينة لمشاهدة مباراة أمريكية، واستمع الآلاف إلى فرقة موسيقية جاءت على متن مدمرة بحرية.

وربما يبقى المشهد الأكثر رسوخاً في هذه الحكاية هو ذلك الحقل المفتوح خارج بورتسودان، حيث توقفت مباراة بيسبول أمريكية، لا بسبب المطر أو إصابة أحد اللاعبين، وإنما لأن قافلة من الجمال كانت تعبر الملعب.

إنها واقعة صغيرة في سجل زيارة بحرية، لكنها تحمل صورة نادرة عن مدينة التقى فيها البحر بالصحراء، والبحارة بالقوافل، والموسيقى الأمريكية بجمهور سوداني احتشد في أحد ميادين بورتسودان صيف عام 1964.


المصدر التاريخي: صحيفة نيوبورت الأمريكية، تقرير مؤرخ في 24 يوليو 1964

اقرأ ايضا

https://sdnbarq.com/?p=64185

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى