تقارير

قطعة أرض ونفوذ سيادي: تحقيق يكشف إيقاف مدير أراضي الخرطوم بعد رفضه تمرير معاملة ذات صلة بمصلحة خاصة

أربعون عاماً خدمة… وستة أشهر للمعاش

الخرطوم | برق السودان

في واقعة تثير أسئلة ثقيلة حول حدود السلطة واحترام القانون، تكشف إفادات متطابقة من شهود عيان عن تفاصيل مواجهة داخل مكتب مدير أراضي محلية الخرطوم انتهت بإيقافه عن العمل، رغم التزامه بقرار رسمي مكتوب يوقف بيع الأراضي الاستثمارية. الحادثة، بحسب الشهود والمستندات، ارتبطت بمحاولة تمرير معاملة بيع قطعة أرض مجتزأة من مجمع ديني مملوك — وفق الأوراق — لوالد عضو بمجلس السيادة.

زيارة المندوب وقرار الوالي

قبل يومين من تفجّر الأزمة، حضر إلى مكتب مدير أراضي محلية الخرطوم شخصٌ قدّم نفسه بصفته مندوباً عن عضو مجلس السيادة د. سلمى عبدالجبار، حاملاً مستندات تخص قطعة أرض تبلغ مساحتها قرابة ألف متر مربع، مجتزأة من مجمع عباد الرحمن الإسلامي. وطلب المندوب تخليص إجراءات البيع.

غير أن مدير الأراضي أبلغه بتوقف جميع إجراءات بيع الأراضي الاستثمارية استناداً إلى قرار مكتوب صادر عن والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة، وهو قرار ساري ومعلن. وبحسب الشهود، غادر المندوب دون إتمام الإجراء.

مواجهة مباشرة وتصاعد التوتر

في اليوم التالي، فوجئ مدير الأراضي بزيارة عضو مجلس السيادة نفسها برفقة شقيقتها وعدد من المرافقين. واستفسرت عن سبب رفض المعاملة، ليبرز المدير قرار الوالي مكتوباً. عندها، ووفق إفادات الشهود، طلبت منه الاتصال بالوالي هاتفياً لإبلاغه بطلب تمرير القطعة، إلا أن المدير رفض، مبرراً ذلك بأن تواصله الإداري الرسمي لا يتجاوز مدير أراضي ولاية الخرطوم، وأن أي تجاوز للتسلسل الإداري يخالف القواعد المعمول بها.

تشير الإفادات إلى أن الموقف تصاعد بشكل مفاجئ، ودخلت عضو مجلس السيادة في انفعال حاد، وقامت بضرب الطاولة براحة يدها، ووجّهت اتهاماً مباشراً لمدير الأراضي بـ“التواطؤ” ضدها، قبل أن تغادر المكتب.

التدخل الإداري والعقوبة

لم تتوقف الأحداث عند هذا الحد. فبحسب الوقائع، عادت عضو مجلس السيادة لاحقاً إلى المكتب برفقة الأمين العام لحكومة الولاية عبدالهادي ووزير التخطيط العمراني الولائي. وتفيد الشهادات بأن الأمين العام كان منفعلاً، وأقدم على طرد مدير الأراضي من مكتبه، مع توجيه إنذار مباشر له بعدم العودة إلى العمل أو حتى المرور بشارع مقر الأراضي.

وفي اليوم التالي مباشرة، صدر قرار رسمي بإيقاف مدير الأراضي عن العمل.

إيقاف عن العمل
قرار إيقاف مدير الأراضي عن العمل وطرده من مكتبه

أربعون عاماً خدمة… وستة أشهر للمعاش

تكتسب الواقعة بعداً إنسانياً ومؤسسياً بالغ القسوة حين يُعلم أن مدير أراضي محلية الخرطوم، آيات الله محمد أحمد المأذون، أمضى أربعين عاماً في الخدمة العامة، ولم يتبق له سوى ستة أشهر فقط لإحالته إلى المعاش. وبحسب المعلومات المتاحة، لم يُبنَ قرار إيقافه على شبهة فساد، ولا على مخالفة مهنية مثبتة، وإنما على رفضه الاستجابة لطلب مرتبط بمصلحة خاصة، وتمسكه بقرار رسمي نافذ.

أسئلة حول سيادة القانون

ترسم هذه الوقائع مشهداً مقلقاً: موظف يُهان ويُعاقب لأنه التزم بالنصوص القانونية ورفض تجاوز التسلسل الإداري، في وقت تعلن فيه الدولة، على أعلى المستويات، حربها على الفساد واستغلال النفوذ. القضية تطرح أسئلة مباشرة حول حماية الموظف العام، واستقلالية القرار الإداري، وحدود تدخل أصحاب المناصب الدستورية في الإجراءات التنفيذية.

وفي انتظار توضيحات رسمية من الجهات المعنية، تبقى هذه الواقعة اختباراً حقيقياً لجدية شعارات مكافحة الفساد، ولمبدأ بسيط لكنه حاسم: هل يُكافأ الالتزام بالقانون أم يُعاقَب؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى