مجزرة كتم المروعة: طائرة مسيرة تحول حفل زفاف إلى دمار وموت في شمال دارفور
كتم شمال دارفور | برق السودان
في ليلة كان يُفترض أن تكون مليئة بالفرح والاحتفال، تحولت مدينة كتم بولاية شمال دارفور إلى مسرح مأساة إنسانية جديدة، حيث أسفر قصف بطائرة مسيرة تابعة للجيش السوداني عن سقوط عشرات القتلى والجرحى من المدنيين العزل، غالبيتهم نساء وأطفال، أثناء تجمع اجتماعي في حي السلامة. وقع الحادث مساء الأربعاء 8 أبريل 2026، قرب مدرسة الأم للبنات، في منطقة تسيطر عليها قوات تأسيس، وسط تصاعد استخدام الطائرات المسيرة في النزاع المستمر منذ أبريل 2023.
تختلف التقارير الأولية حول الحصيلة الدقيقة للضحايا، لكن جميع المصادر تتفق على أن الغارة استهدفت تجمعاً مدنياً مكتظاً بأهالي المنطقة خلال مناسبة زواج أو احتفال اجتماعي. وفقاً لمصادر طبية ميدانية نقلتها وكالة فرانس برس وغيرها، وصل 12 قتيلاً إلى مستشفى المدينة الريفي، من بينهم 6 أطفال (ثلاث منهن طالبات في المرحلة الثانوية)، إضافة إلى 16 جريحاً بينهم نساء وأطفال. أما تحالف «تأسيس»، فقد أعلن حصيلة أعلى بلغت 56 قتيلاً (بينهم 17 طفلاً) و107 جرحى، مشيراً إلى أن عمليات الإنقاذ ما زالت مستمرة تحت الأنقاض. فيما أكدت الأمم المتحدة ومصادر أخرى أن العدد يتجاوز 30 قتيلاً على الأقل. وارتفعت بعض التقارير المحلية إلى 57 قتيلاً.

تفاصيل الحادث وشهادات الشهود
وقع القصف حوالي الساعة 11 مساءً، حيث حلقت طائرة مسيرة من طراز بيرقدار فوق حي السلامة السكني وأطلقت صواريخها مباشرة على التجمع المدني. وصف شهود عيان المشهد بـ«الكابوس»، إذ كانت النساء والأطفال يشاركون في مراسم الزفاف عندما انفجرت الصواريخ، محولة لحظات الفرح إلى دمار وصراخ. نقلت لجان المقاومة بالفاشر ودارفور24 أن الاستهداف كان مباشراً لمنطقة خالية من الأهداف العسكرية الواضحة، مما يعزز الاتهامات بأنه «قصف عشوائي ومتعمد على المدنيين».
أفادت مصادر ميدانية أن الجرحى نقل بعضهم إلى مستشفيات ميدانية محدودة الإمكانيات بسبب الحصار والنزاع، فيما لا تزال بعض الجثث تحت الأنقاض. وأكدت قوات تأسيس في بيان رسمي أن «الجيش ارتكب جريمة حرب مكتملة الأركان» باستهداف «مناسبة زواج مكتظة بأهالي المنطقة من النساء والأطفال». أما حزب المؤتمر السوداني وحزب الأمة القومي فقد أدانا الحادث بشدة، محمّلين قيادة القوات المسلحة المسؤولية الكاملة ومطالبين بوقف فوري لكل أشكال القصف الجوي على المناطق السكنية.
ردود الفعل والإدانات الرسمية والدولية
أثار الحادث موجة إدانات محلية ودولية واسعة. وصف حزب الأمة القومي الواقعة بـ«جريمة حرب مكتملة الأركان وانتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني»، مطالباً بتحقيق مستقل فوري. كما أصدر حزب المؤتمر السوداني بياناً يحمّل قيادة الجيش «المسؤولية القانونية والأخلاقية الكاملة» ويطالب بـ«وقف غير مشروط للقصف الجوي». من جانبها، أكدت قوات تأسيس أن الهجوم يعكس «تصعيداً خطيراً في وتيرة الانتهاكات بحق السكان العزل».
على المستوى الدولي، أعربت الأمم المتحدة عن صدمتها من استمرار استهداف المدنيين بالطائرات المسيرة، مطالبة الأطراف المتحاربة بالالتزام بالقانون الإنساني الدولي وحماية المدنيين. يأتي هذا الحادث ضمن سلسلة هجمات مشابهة شهدتها دارفور وكردفان خلال الأشهر الماضية، حيث أشارت تقارير أممية سابقة إلى مقتل مئات المدنيين في غارات جوية قام بها الجيش السوداني.
يُعد هذا القصف جزءاً من نمط متكرر في النزاع السوداني، الذي أدى إلى نزوح ملايين وأزمة إنسانية غير مسبوقة. ومع تصاعد استخدام الطائرات المسيرة، يتزايد القلق من تحول الحرب إلى «حرب على المدنيين» دون مراعاة للتمييز بين الأهداف العسكرية والسكنية.
في الوقت الذي تتواصل فيه عمليات الإنقاذ والعلاج في كتم، يطالب نشطاء ومنظمات حقوقية بفتح تحقيق دولي عاجل وفرض منطقة حظر طيران فوق دارفور لحماية المدنيين. يبقى السؤال الملح: متى يتوقف سفك دماء الأبرياء في السودان، ومتى يسود الصوت الإنساني على صوت المدافع؟
يترحم الجميع على أرواح الضحايا، ويتقدمون بالعزاء لأسرهم، سائلين الشفاء العاجل للجرحى. الحقيقة الوحيدة المؤكدة هي أن كل قصف جديد على أحياء سكنية يزيد من عمق الجرح السوداني ويبعد أفق السلام.




