من الميناء إلى المائدة: سلطة بورتسودان تحوّل شح الدولار إلى غلاء يومي
إذا كان القرار يصدر من بورتسودان، فلماذا تصل الفاتورة كاملة إلى من يقف في طابور الخبز؟
بورتسودان | برق السودان
لم يعد المواطن في مناطق سيطرة سلطة بورتسودان يحتاج إلى نشرة أسعار ليعرف أن الجنيه يخسر. يكفي أن يقف أمام المخبز، أو في طابور المحطة، أو أمام جوال الدقيق. السلسلة واحدة: طلب متزايد على النقد الأجنبي لتغطية الواردات، وحصيلة صادرات لا تسد هذا الطلب، ثم تراجع في العملة، ثم تضخم، ثم فاتورة يعيشها البيت كل يوم.
بورتسودان هي البوابة البحرية العاملة، ومنها تُموَّل واردات الغذاء والوقود والدواء. هذا الموقع، الذي يُقدَّم بوصفه مركز الإدارة، هو نفسه مركز الضغط على الدولار. قبل الحرب كان الدولار يقارب 600 جنيه. في 22 سبتمبر كشف متعاملين عن متعاملين سعراً يقارب 7,500 جنيه، بينما سجلت تقارير أخرى تجاوز 9,000 في ذروة سبتمبر. وفي 6 أكتوبر تراوحت القراءات بين 6,400 و8,600 جنيه. التاجر يسعر على أعلى قراءة، والمواطن يشتري بالنتيجة.
مواد ذات صلة
بعد «ورينا المقاس».. كامل إدريس ينفي وجود أزمة وقود وسط عودة الطوابير إلى الخرطوم
التضخم الرسمي لم يختفِ. الجهاز المركزي للإحصاء سجل أكثر من 41% في يوليو بعد 51% في يونيو. تباطؤ النسبة لا يعني هبوط الأسعار. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي قدّر أن الاقتصاد انكمش أكثر من 40% خلال الحرب، وخسر نحو 6.4 مليار دولار من الناتج في 2023 وحدها. صاحبة مقهى في بورتسودان كانت تبيع القهوة بألف جنيه وتكسب نحو 30 ألفاً في اليوم قبل الحرب. اليوم تبيع بثلاثة آلاف وتكسب بين 70 و100 ألف، فيزيد الرقم وتنقص القدرة. الأجر قد يرتفع بالاسم، والقوة الشرائية تنهار بالفعل.
الوقود ليس سلعة بين السلع. في الربع الأول من 2026 بلغت فاتورة المنتجات النفطية 501.25 مليون دولار، بزيادة 44.7%، ومثلت 25.9% من الواردات. على الأرض: غالون البنزين في السوق السوداء نحو 60 ألف جنيه مقابل قرابة 37 ألفاً في المحطات، والديزل بين 65 و70 ألفاً مقابل نحو 45 ألفاً. البحر الأحمر رفعت اللتر إلى 7,748 جنيهاً، والجزيرة إلى 8,950. تأخر سداد المورد يبدأ في المكتب وينتهي في أجرة الحافلة وسعر الخضار.
من 5 أكتوبر بلغ جوال الدقيق زنة 50 كيلوغراماً نحو 218 ألف جنيه. منتصف سبتمبر قفز جوال السكر من 380 ألف جنيه إلى 470 ألفاً. في بورتسودان، الألف جنيه كانت تشتري خمسة أرغفة فصارت تشتري ثلاثة أو اثنين، لأن الدقيق والخميرة وجازولين المولد حلقة واحدة.
وفي 12 سبتمبر رُفع الدولار الجمركي 9% إلى 4,346 جنيهاً، للمرة الرابعة في 2026، بينما السوق فوق 6,000. الرسم يدخل السلعة، والقيد على الاستيراد لا يوقف انهيار الجنيه. التاجر والمستهلك يدفعان معاً.
الحرب دمّرت الإنتاج، هذا لا يُخفى. لكن من يملك الميناء والبنك المركزي والجمارك وقرار استيراد الوقود هو من يجب أن يُسأل: إذا كان القرار يصدر من بورتسودان، فلماذا تصل الفاتورة كاملة إلى من يقف في طابور الخبز؟
اقرأ ايضا
إن كان بريئاً فلماذا يرفض التحقيق؟.. ملف الكيماوي يضع جيش بورتسودان أمام شبهة جرائم الحرب




