تحليل | برق السودان
لم تكن العبارة التي استخدمتها كاريسا غونزاليس، المتحدثة الرسمية باللغة العربية باسم وزارة الخارجية الأميركية، بشأن السودان مجرد تأكيد جديد على رغبة واشنطن في وقف الحرب. الجزء الأكثر دلالة سياسياً جاء في تحديد ما يفترض أن يقود إليه إنهاء القتال: «استعادة السلام، وإعادة السلطة إلى الشعب السوداني».
وقالت غونزاليس، إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ملتزم بإنهاء الحرب في السودان، في إطار الأولويات التي أعلنتها الولايات المتحدة خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
من يحكم السودان بعد الحرب؟.. رسالة واشنطن الجديدة تنقل المعركة من وقف النار إلى شرعية السلطة
تكتسب العبارة أهميتها من تزامنها مع موقف أميركي أكثر تفصيلاً تجاه شرعية طرفي الحرب ومستقبل الحكم في السودان. فقد نقلت تقارير حديثة عن الخارجية الأميركية قولها إن القوات المسلحة السودانية وقوات تأسيس وقيادتيهما لا تمثلان، في تقييم واشنطن، حكماً دستورياً شرعياً، وإن الولايات المتحدة تريد في نهاية المطاف إعادة السلطة إلى السودانيين.
وبذلك يمكن قراءة تصريح غونزاليس، باعتباره جزءاً من خطاب أميركي أوسع يربط بين ثلاثة ملفات: وقف الحرب، ومستقبل طرفيها، ومن يملك السلطة السياسية بعد انتهائها.
«إعادة السلطة».. عبارة تتجاوز وقف إطلاق النار
اللافت في الصياغة الأميركية أنها لا تقف عند هدف وقف العمليات العسكرية أو التوصل إلى هدنة إنسانية. فالحديث عن «إعادة السلطة إلى الشعب السوداني» ينقل النقاش من سؤال: كيف تتوقف الحرب؟ إلى سؤال أكثر تعقيداً: كيف سيُحكم السودان بعد توقفها؟
ولا تقدم العبارة وحدها خريطة تفصيلية للمرحلة الانتقالية، ولا تحدد شكل المؤسسات التي يمكن أن تدير البلاد أو جدولاً زمنياً للانتخابات.
لكنها تشير سياسياً إلى أن واشنطن لا تنظر إلى إنهاء الحرب باعتباره تسوية عسكرية بين الجيش وقوات تأسيس فقط، وإنما تربطه بمسار سياسي يعيد تحديد مصدر السلطة.
وهذا المعنى يصبح أكثر وضوحاً عند وضع التصريح بجانب الموقف الأميركي المعلن في 22 سبتمبر، والذي ذهب إلى أن طرفي الحرب لا يمثلان حكماً دستورياً شرعياً، وفق ما نقلته تقارير عن الخارجية الأميركية.
واشنطن تفصل بين الدولة وطرفي الحرب
هنا تظهر نقطة سياسية مهمة. الموقف الأميركي الأخير لا يعني بالضرورة رفض مؤسسات الدولة السودانية نفسها، بقدر ما يعكس رفض واشنطن اعتبار السيطرة العسكرية الناتجة عن الحرب أساساً كافياً للشرعية السياسية. وهذا التفريق مهم لفهم الخلاف المتصاعد بين واشنطن والسلطات السودانية.
فالخرطوم تتمسك بأن مجلس السيادة ومؤسسات الدولة القائمة تمثل المؤسسات الوطنية الشرعية، بينما تركز الرسالة الأميركية الأخيرة على أن السلطة النهائية يجب أن تعود إلى الشعب السوداني. ومن هنا لا يدور الخلاف فقط حول كيفية إنهاء الحرب، وإنما أيضاً حول تعريف الشرعية خلال المرحلة الانتقالية ومن يملك حق تشكيل النظام السياسي الذي يلي الحرب.
لماذا ردت الخرطوم بهذه القوة؟
يمكن فهم بيان وزارة الخارجية السودانية الرافض للموقف الأميركي من هذه الزاوية. الحكومة السودانية قالت إن أي مبادرة سلام يجب أن تقوم على احترام سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه و«مؤسساته الوطنية الشرعية»، ورفضت مساواة قوات الدعم السريع بمؤسسات الدولة. وبالتالي توجد فجوة واضحة بين المقاربتين.
الخرطوم تبدأ من أولوية سيادة الدولة وشرعية مؤسساتها القائمة، بينما تضع واشنطن، في تصريحاتها الأخيرة، إنهاء الحرب وإعادة السلطة إلى السودانيين في قلب تصورها السياسي.
ولا يعني هذا بالضرورة استحالة التوفيق بين المسارين، لكنه يكشف إحدى العقد الرئيسية أمام أي عملية تفاوضية مقبلة: هل تبدأ التسوية من المؤسسات الموجودة حالياً، أم من ترتيبات انتقالية جديدة تحددها عملية سياسية أوسع؟
الجيش وقوات تأسيس.. لا تفويض سياسي من الحرب
الموقف الأميركي الأخير يحمل كذلك رسالة إلى طرفي النزاع. فالسيطرة على الأرض أو امتلاك القوة العسكرية لا يعنيان، في الرؤية التي عبّرت عنها الخارجية الأميركية، امتلاك تفويض سياسي دائم لحكم السودان.
وتفيد التقارير المنشورة في 23 سبتمبر، بأن الخارجية الأميركية قالت إن الطرفين يحكمان بقوة السلاح، وإن سلوك قيادتيهما خلال الحرب لا يؤسس، وفق تقييم واشنطن، لشرعية دستورية للحكم. هذه النقطة مهمة لأنها تضع سقفاً سياسياً مختلفاً لأي مفاوضات مقبلة: التسوية، وفق هذا التصور، لا ينبغي أن تتحول تلقائياً إلى تقاسم دائم للسلطة بين القوتين العسكريتين لمجرد أنهما الطرفان الرئيسيان في الحرب.
لكن واشنطن لم تعرض حتى الآن، في التصريحات محل النقاش، نموذجاً تفصيلياً للبديل أو كيفية اختيار القوى المدنية التي ستشارك في ترتيبات ما بعد الحرب.
أين موقع ترامب في المسار السوداني؟
إبراز اسم الرئيس دونالد ترامب، شخصياً في تصريح غونزاليس، يحمل دلالة سياسية، لكن يجب عدم تحميله أكثر مما يحتمل. فالقول إن ترامب، «ملتزم» بإنهاء الحرب يرفع الملف إلى مستوى رئاسي في الخطاب الأميركي، لكنه لا يعني في حد ذاته وجود اتفاق سلام قريب أو مبادرة مكتملة التفاصيل.
وكانت واشنطن قد تحدثت سابقاً عن ضرورة الهدنة والانتقال نحو حكم مدني، فيما قالت غونزاليس، في تصريحات سابقة إن الولايات المتحدة ملتزمة باستخدام نفوذها للمساعدة في إنهاء الأزمة السودانية.
الأهم الآن سيكون ترجمة الالتزام السياسي إلى أدوات عملية: الضغط الدبلوماسي، والعقوبات، والتنسيق مع الشركاء الإقليميين، والوصول إلى ترتيبات لوقف القتال، ثم تحديد شكل العملية السياسية التالية.
السيادة.. نقطة خلاف ونقطة التقاء محتملة المفارقة أن خطاب واشنطن الأوسع يؤكد أيضاً أهمية سيادة الدول.
فغونزاليس، قالت في تصريحات أخرى خلال اجتماعات الجمعية العامة إن رؤية إدارة ترامب، للسياسة الدولية تتضمن دعم السلام وحماية سيادة الدول، وإن واشنطن تعتبر السيادة قاعدة أساسية في سياستها الخارجية.
وهذا يضع سؤالاً مهماً أمام المرحلة المقبلة: كيف ستوفق واشنطن بين تأكيد احترام سيادة السودان وبين رفضها منح الشرعية السياسية لطرفي الحرب؟ بالنسبة للخرطوم، السيادة تعني التعامل مع مؤسسات الدولة القائمة وعدم مساواتها بالدعم السريع.
أما الخطاب الأميركي الأخير فيشير إلى قراءة مختلفة: احترام الدولة السودانية لا يستلزم، بالضرورة، الاعتراف بأن القوة العسكرية الموجودة على رأس السلطة تملك تفويضاً دائماً للحكم. وهذه الفجوة السياسية قد تصبح واحدة من أصعب نقاط التفاوض بين الجانبين.
المعركة المقبلة قد تكون حول «اليوم التالي»
بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، توحي الرسائل الأميركية الأخيرة بأن النقاش الدولي بدأ يتحرك بصورة متزايدة من إدارة القتال إلى ترتيبات ما بعده. لكن عبارة «إعادة السلطة إلى الشعب السوداني» تترك أسئلة أكثر مما تقدم إجابات.
من يمثل السودانيين في العملية السياسية؟ كيف تتشكل السلطة الانتقالية؟ ما موقع الجيش في النظام الجديد؟ ماذا يحدث لقوات تأسيس؟ كيف يُدمج أو يُنزع سلاح التشكيلات المسلحة؟ ومتى يمكن إجراء انتخابات ذات مصداقية في بلد مزقته الحرب والنزوح؟
هذه الأسئلة لم تجب عنها تصريحات غونزاليس.
لكن أهميتها تكمن في أنها ترسم الوجهة السياسية المعلنة للموقف الأميركي: وقف الحرب ليس نهاية المسار، بل يفترض أن يكون بداية انتقال يعيد تحديد مصدر السلطة السياسية في السودان. وهكذا، فإن الخلاف الذي ظهر بين الخرطوم وواشنطن خلال الساعات الماضية قد لا يكون خلافاً على السلام نفسه بقدر ما هو خلاف على شكل السلام، ومصدر الشرعية، ومن يدير السودان في اليوم التالي للحرب.
وبين تمسك الخرطوم بسيادة الدولة ومؤسساتها، وإصرار واشنطن على «إعادة السلطة إلى الشعب السوداني»، يبدو أن السؤال الذي سيحدد المرحلة المقبلة لم يعد فقط: كيف تنتهي الحرب؟ بل من يملك شرعية الحكم عندما تنتهي؟.
اقرأ ايضا
سلطة بورتسودان تدفع بالحرب إلى كردفان وتترك الجنيه ينهار إلى 8000




