الأخبارتقارير

السلاح الكيميائي في السودان.. من مياه المدنيين إلى مشروع قنابل الكلور

وثيقة وملفاً بصرياً وصوتياً وآلاف الرسائل ترسم، وفق تحقيقين أميركيين، مسار برنامج عسكري بدأ بالتصميم والاختبار وانتهى بتخزين مئات الذخائر ومحاولات لإزالة آثاره

برق السودان | تحقيق

بين أسطوانات كلور مخصصة لتنقية مياه الشرب، ورسومات لذخائر تجمع الغاز السام بالمتفجرات، واختبارات في الصحراء، ومئات القنابل التي خُزنت في قاعدة مروي، تفتح وثائق سرية كُشف عنها في الولايات المتحدة نافذة جديدة على واحد من أخطر الاتهامات المرتبطة بالحرب السودانية: احتمال وجود برنامج منظم لتطوير وإنتاج واستخدام أسلحة كيميائية داخل المؤسسة العسكرية.

لم يعد الملف، بعد ما نشرته صحيفتا «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» في 5 سبتمبر 2026، قائماً فقط على التقييم الأميركي الذي خلص في أبريل 2025، إلى أن الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية خلال عام 2024.

الجديد هو حجم المادة التي باتت متاحة للفحص: نحو 150 وثيقة وصورة ومقطع فيديو ومذكرة صوتية، إلى جانب عدة آلاف من الرسائل النصية، تقول «نيويورك تايمز» إن معظمها يبدو مستخرجاً من هواتف مسؤولين عسكريين سودانيين كبار.

أما «واشنطن بوست»، فراجعت بدورها مجموعة من الوثائق والصور ومقاطع الفيديو والرسائل التي قالت إنها تشير إلى تصنيع ذخائر كيميائية وتخزين ما يصل إلى نحو 290 منها. واستعانت الصحيفة بأكثر من عشرين مسؤولاً وخبيراً في الاستخبارات والأسلحة الكيميائية وحقوق الإنسان، قالوا إن المواد تقدم مؤشرات جدية ومتسقة مع وجود برنامج للأسلحة الكيميائية، لكنهم شددوا في الوقت نفسه على أن الإثبات الحاسم يحتاج إلى الوصول إلى المواقع والأسلحة والشهود وجمع عينات يمكن فحصها بصورة مستقلة.

الجيش السوداني ينفي الاتهامات

ونقلت «واشنطن بوست» أن مسؤولين سودانيين، بمن فيهم قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، سبق أن نفوا تطوير أو استخدام أسلحة كيميائية، بينما قالت «نيويورك تايمز» إن متحدثاً عسكرياً رفض نتائج الملف ووصفها بأنها بلا أساس مادي، مستنداً كذلك إلى عضوية السودان في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.

لكن هذه العضوية نفسها تجعل طبيعة الاتهامات شديدة الحساسية؛ فاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية تحظر تطوير وإنتاج وتخزين واستخدام الأسلحة الكيميائية، بينما يسمح القانون الدولي باستخدام المواد الكيميائية، ومنها الكلور، لأغراض مدنية مشروعة مثل معالجة المياه. الفارق القانوني الحاسم هو الغرض الذي تستخدم من أجله المادة.

ستة أشهر من السرية.. كيف بدأ مشروع قنابل الكلور

وفق تحقيق «نيويورك تايمز»، بدأت المرحلة الرئيسية من المشروع المزعوم في منتصف عام 2024، عندما كان الجيش السوداني يواجه وضعاً عسكرياً صعباً في الخرطوم، مع سيطرة قوات الدعم السريع على مناطق واسعة وتمركز مقاتليها داخل مواقع حضرية يصعب اختراقها بالقوة التقليدية.

في تلك المرحلة يظهر في المواد اسم العميد طارق حسين محمد مدني بوصفه شخصية محورية في المشروع.

وتساعد العقوبات الأميركية اللاحقة في تثبيت هويته خارج الوثائق المسربة؛ إذ أعلنت وزارة الخزانة الأميركية في يونيو 2026، أن طارق حسين محمد مدني، مسؤول كبير في منظومة الصناعات الدفاعية ومدير لشركة Target Multi-Activities Company، وقالت إن الشركة استوردت متفجرات ومواد مرتبطة بها من شركات مصرية وهندية واستخدمت لاحقاً في قنابل للقوات المسلحة السودانية. ولم تربط الخزانة في إعلان العقوبات نفسه مدني بالأسلحة الكيميائية.

وبحسب الملف الذي راجعته «نيويورك تايمز»، اقترح مدني في يوليو 2024 استخدام الكلور كوسيلة للتعامل مع مواقع قوات الدعم السريع المحصنة داخل الخرطوم.

وتشير الرسائل إلى تطوير نموذج ذخيرة يجمع بين رأس متفجر ونحو 33 رطلاً، أي قرابة 15 كيلوغراماً من غاز الكلور.

أما «واشنطن بوست»، فتقول إن إحدى الوثائق التي اطلعت عليها تصف قنبلة «ثنائية التأثير» بطول يقارب أربعة أقدام، تضم 15 كيلوغراماً من الغاز إلى جانب 20 كيلوغراماً من المتفجرات. كما تشير وثائق أخرى إلى تعديلات لاحقة في التصميم وإضافة كرات معدنية بهدف زيادة أثر الشظايا.

فالرسومات والمواصفات، تدعم وجود نشاط تطوير وذخائر والتي دخلت دخلت فعلياً مرحلة الإنتاج.

وبحسب «نيويورك تايمز»، بدأ تجميع نماذج أولية اعتباراً من يوليو.

وفي 22 يوليو 2024، تقول الوثائق إن طائرة شحن من طراز أنتونوف أقلعت من مطار مروي لاختبار إحدى الذخائر.

وبعد التجربة، وردت رسالة من مدني تفيد بأن الاختبار نجح وأن الذخيرة أصابت هدفها وأطلقت الغاز.

وجاء رد من العميد أمير إدريس، الذي تصفه السجلات التي راجعتها الصحيفة بأنه مسؤول مرتبط بعمليات الطائرات المسيّرة، مؤكداً ضرورة «السرية التامة».

وتعرض «واشنطن بوست» بدورها صوراً قالت إنها تظهر آلية مركبة داخل طائرة أنتونوف يمكن استخدامها لتحميل الذخائر وإسقاطها من باب الشحن الخلفي، إضافة إلى مشاهد لاختبارات في مناطق صحراوية يتصاعد منها بخار أصفر. وقال خبراء للصحيفة إن اللون يتوافق مع ما يمكن أن ينتج عن الكلور، لكن الصورة وحدها لا تستطيع تحديد المادة الكيميائية بصورة قاطعة.

وبذلك تتكون أولى حلقات السلسلة: تصميم، ثم نموذج أولي، ثم اختبار ميداني.

لكن المشروع، وفق الرسائل، لم يكن مستقراً تقنياً.

فقد تحدثت مواد «نيويورك تايمز» عن تسرب متكرر للغاز من الذخائر، إلى حد العثور صباحاً على حشرات وعقارب نافقة داخل إحدى الحظائر، في واقعة نسبتها الرسائل إلى تعرضها للغاز المتسرب خلال الليل.

وهذه التفاصيل، فهي تعكس أيضاً بدائية جانب من عملية الإنتاج والمخاطر التي تعرض لها العاملون في المنشأة نفسها.

من محطات المياه إلى مصنع الذخائر.. من أين جاء الكلور؟

يقود هذا السؤال إلى أكثر جوانب الملف إثارة للحساسية الإنسانية.

الكلور ليس في حد ذاته مادة محظورة. فهو من المواد الأساسية المستخدمة عالمياً لتعقيم المياه والقضاء على البكتيريا ومسببات الأمراض.

وتؤكد منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أن المواد الكيميائية ذات الاستخدامات المدنية يمكن أن تصبح «أسلحة كيميائية» عندما يكون المقصود من استخدامها إحداث الموت أو الضرر عبر خصائصها السامة. ولذلك لا يجرّم القانون امتلاك الكلور لمعالجة المياه، وإنما استخدام خصائصه السامة كوسيلة حرب.

وبحسب الوثائق التي استندت إليها «نيويورك تايمز»، وصل جزء من إمدادات المشروع من الخارج.

وفي أواخر أغسطس 2024، تشير رسالة من مدني إلى وصول 20 أسطوانة كبيرة من الكلور عبر الحدود المصرية، مع تقدير بأنها قد تكفي لإنتاج نحو 1,100 قنبلة.

«واشنطن بوست» توثق الرواية نفسها بصياغة أكثر تحفظاً، إذ تقول إن الرسائل تشير إلى وصول 20 خزاناً كبيراً عبر معبر حدودي مع مصر، وإن أحد المسؤولين زعم أنها تسمح بإنتاج ما يصل إلى 1,100 ذخيرة.

لكن الملف يقدم مساراً آخر أكثر إثارة للقلق: محطات معالجة المياه.

في تسجيل صوتي مؤرخ في 26 أغسطس، تقول «نيويورك تايمز» إن مدني تحدث عن وجود أسطوانات كلور في محطة المنارة للمياه في أم درمان، وقال إنه أخذ بعضها من هناك.

وتؤكد مصادر مستقلة أن محطة المنارة كانت بالفعل تتلقى الكلور لأغراض مدنية وإنسانية.

فمنظمة CARE تقول إنها أعادت تأهيل محطتي المنارة وبيت المال في أم درمان، وقدمت 35 أسطوانة من غاز الكلور لضمان استمرار معالجة المياه. كما تؤكد اليونيسف أنها دعمت محطة المنارة بمواد معالجة، بينها الكلور، ضمن استجابة هدفت إلى توفير مياه آمنة لأكثر من مليون شخص في كرري وأم درمان القديمة.

300 ذخيرة ومروي مركزاً للتخزين

بين يوليو وأكتوبر 2024، تقول المواد إن المشروع انتقل من مرحلة النماذج الأولية والاختبارات إلى إنتاج أعداد أكبر.

وبحسب «نيويورك تايمز»، أفاد مدني بحلول أكتوبر بأنه أنتج نحو 300 ذخيرة كيميائية، وأن معظمها خُزن في مطار مروي.

أما «واشنطن بوست»، فتشير إلى رسائل ووثائق تقول إن قوات الأمن السودانية خزنت ما يصل إلى 290 ذخيرة كيميائية. كما تتضمن مواد أخرى، بحسب الصحيفة، إشارة إلى أن مئات القنابل جُمعت في مروي وأن 106 منها استُخدمت.

مصفاة الجيلي.. هل انتقل المشروع من الاختبار إلى الاستخدام؟

بحسب «نيويورك تايمز»، أرسل مدني في سبتمبر 2024 رسالة إلى أحد زملائه مستخدماً عبارة قصيرة: «لقد شربوا الغاز»، في إشارة قال الملف إنها تتعلق بهجوم استهدف قوات الدعم السريع في مصفاة الجيلي شمال الخرطوم.

وكانت قوات الدعم السريع قد أصدرت في 13 سبتمبر 2024 بياناً اتهمت فيه الجيش باستخدام صواريخ أو مواد «سامة» في المصفاة.

وظهرت كذلك صور متداولة لأشخاص داخل المنشأة يستخدمون أقنعة أكسجين.

وتقول «واشنطن بوست» إن الولايات المتحدة ربطت الاشتباه باستخدام الكلور في سبتمبر 2024 بمواقع بينها مصفاة الجيلي وقاعدة قري العسكرية شمال الخرطوم.

أما الحكومة الأميركية، فانتقلت لاحقاً من الاشتباه إلى تحديد رسمي بموجب القانون الأميركي.

ففي 24 أبريل 2025، خلص مسؤول أميركي مختص إلى أن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية في مخالفة للقانون الدولي، وأعلن القرار للرأي العام في مايو، قبل نشره رسمياً في السجل الفيدرالي في 27 يونيو 2025. وفرضت الولايات المتحدة على إثر ذلك قيوداً على صادرات وائتمانات حكومية مرتبطة بالسودان.

وفي يونيو 2026 قررت واشنطن فرض جولة إضافية من العقوبات بعد أن قالت إن السودان لم يستوفِ الشروط التي يحددها قانون مكافحة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية الأميركي.

لكن الولايات المتحدة لم تنشر في البداية الأدلة التفصيلية التي بنت عليها قرارها، وهو ما جعل الاتهام، بالنسبة إلى الجمهور، قائماً بدرجة كبيرة على ثقة التقييم الاستخباراتي الأميركي.

ماذا كان يعرف البرهان؟

تقول «نيويورك تايمز» إن رسائل وتسجيلات ضمن الملف تشير إلى أن عبد الفتاح البرهان كان على علم بمشروع الأسلحة الكيميائية المزعوم.

وتعرض «واشنطن بوست» بدورها مواد تقول إن مدني تبادل رسائل بشأن البرنامج مع مسؤولين سودانيين، بينهم البرهان. لكنها تشير أيضاً إلى أن خبراء الأدلة الرقمية الذين حللوا تسجيلات صوتية لم يجدوا مؤشرات على تلاعب تقني، لكنهم لم يستطيعوا الجزم بأن الصوت المنسوب إلى البرهان يعود إليه فعلاً بسبب انخفاض جودة التسجيلات.

بعد إعلان العقوبات الأميركية في مايو 2025، تقول مواد «نيويورك تايمز» إن البرهان أصدر تعليمات لمدني بـ«إزالة جميع آثار» أنشطة البرنامج، وإن الرد جاء بأن العملية نُفذت بالفعل.

«واشنطن بوست» تقدم تسلسلاً قريباً لكنه ليس مطابقاً تماماً؛ إذ تقول إن رسالة في سبتمبر 2025 منسوبة إلى مدني أبلغت البرهان بأن قاعدة عسكرية كانت تحتوي على أسلحة جرى إفراغها من «الآثار والبقايا».

وتكشف وثيقة اطلعت عليها «واشنطن بوست»، مؤرخة في يوليو 2025 وتحمل توقيع البرهان بحسب الصحيفة، أن طارق حسين محمد مدني أُدرج ضمن المشاركين أو المستشارين في التحقيق «لخبرته»، رغم أن الملف الاستخباراتي نفسه ينسب إليه دوراً محورياً في البرنامج.

وأعلنت اللجنة السودانية لاحقاً، في نتيجة مرحلية، أنها لم تجد دليلاً على تلوث كيميائي أو إشعاعي استناداً إلى البيانات والفحوص المتاحة لديها.

كما طالبت موريتانيا، عبر الآليات الرسمية لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، السودان بتوضيح قواعد وإجراءات التحقيق الوطني وضمان استقلاليته وحياده، وسألت بصورة مباشرة عما إذا كانت أسلحة كيميائية قد استخدمت أو نُشرت في النزاع، وما إذا كان السودان يمتلك أسلحة كيميائية أو يعلم بوجودها على أراضيه.

اقرأ ايضا

https://saqraljidyanews.com/?p=637134

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى