ابيي | برق السودان
أعاد قرار جنوب السودان إدراج منطقة أبيي المتنازع عليها ضمن الدوائر الجغرافية للانتخابات العامة المرتقبة، واحدة من أكثر القضايا الحدودية حساسية بين الخرطوم وجوبا إلى واجهة المشهد السياسي، وسط رفض سوداني للخطوة وتحذيرات من تداعياتها على مستقبل العلاقة بين البلدين.
واعتمدت المفوضية القومية للانتخابات في جنوب السودان أبيي ضمن خريطة الدوائر الانتخابية المعلنة للانتخابات العامة المقررة في 22 ديسمبر 2026، والتي تضم 102 دائرة جغرافية في أنحاء البلاد. ووفق الخريطة الانتخابية، أدرجت أبيي ضمن الدوائر المرتبطة بولاية واراب.
ويمثل القرار تطوراً سياسياً لافتاً بالنظر إلى أن الوضع النهائي لأبيي لم يُحسم حتى الآن بين السودان وجنوب السودان، رغم مرور أكثر من 15 عاماً على انفصال الجنوب وإعلان دولته المستقلة في يوليو 2011.
وتعاملت الخرطوم مع الخطوة باعتبارها تجاوزاً للترتيبات والاتفاقيات الموقعة بين البلدين بشأن المنطقة، مؤكدة رفضها لإدراج أبيي بصورة أحادية ضمن الدوائر الانتخابية لجنوب السودان.
الخرطوم تتمسك باتفاقية السلام وترفض «الخطوة الأحادية»
يستند الموقف السوداني إلى بروتوكول أبيي الوارد ضمن اتفاقية السلام الشامل لعام 2005، والذي منح المنطقة وضعاً إدارياً خاصاً ووضع آلية منفصلة لتحديد مستقبلها السياسي.
ونص البروتوكول على أن يصوّت سكان أبيي في استفتاء منفصل لتحديد ما إذا كانت المنطقة ستحتفظ بوضعها الخاص في الشمال أو تنضم إلى بحر الغزال، إلا أن الاستفتاء الذي كان يفترض تنظيمه بالتزامن مع استفتاء جنوب السودان لم يُجر حتى اليوم.
ولهذا ترى الخرطوم أن إدراج المنطقة ضمن الخريطة الانتخابية لدولة جنوب السودان قبل التوصل إلى تسوية نهائية لوضعها يمثل إجراءً أحادياً يمكن أن يُفسر باعتباره محاولة لفرض واقع سياسي جديد على الأرض.
في المقابل، دافعت حكومة جنوب السودان عن إشراك سكان أبيي في الانتخابات، في وقت تستعد فيه جوبا لأول انتخابات عامة منذ استقلال البلاد، بينما يستمر الجدل بشأن وضع المنطقة والحقوق السياسية لسكانها.
وتزيد هذه الخطوة من حساسية ملف أبيي، خصوصاً أن المنطقة لا تزال تخضع لترتيبات أمنية وسياسية خاصة وتحظى بوجود قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة لأبيي «يونيسفا».
وأكد مجلس الأمن الدولي في مايو 2026 أن الوضع النهائي لأبيي لا يزال غير محسوم، داعياً السودان وجنوب السودان إلى تجديد الالتزام السياسي بالتوصل إلى تسوية للملف.
أبيي بين الانتخابات والسيادة.. هل يفتح القرار مواجهة سياسية جديدة؟
يتجاوز الجدل بشأن القرار مسألة تنظيم الانتخابات إلى سؤال أكثر حساسية يتعلق بما إذا كان إدراج أبيي ضمن الدوائر الانتخابية يمكن أن يتحول مع مرور الوقت إلى أساس سياسي وإداري تستخدمه جوبا لتعزيز ارتباط المنطقة بجنوب السودان.
فالانتخابات بطبيعتها تعني تسجيل ناخبين وتحديد دوائر وتمثيلاً سياسياً داخل مؤسسات الدولة، وهو ما يجعل إدراج منطقة متنازع عليها في عملية انتخابية وطنية يحمل أبعاداً سياسية تتجاوز مجرد مشاركة سكانها في التصويت.
ومن هنا، يُرجح أن تتحول الخطوة إلى ملف جديد في العلاقات بين السودان وجنوب السودان، خاصة إذا مضت جوبا في الإجراءات الانتخابية داخل أبيي دون التوصل إلى تفاهم مسبق مع الخرطوم.
وتحظى أبيي بأهمية استراتيجية واقتصادية وجغرافية كبيرة، كما ترتبط المنطقة بتداخلات قبلية معقدة بين مجتمعات الدينكا نقوك والمسيرية، إلى جانب حقوق الرعي والتنقل التقليدية التي أكدت عليها الاتفاقيات السابقة بين الأطراف. وينص بروتوكول أبيي على استمرار حقوق الرعي والتنقل التقليدية للمسيرية والمجموعات الرعوية الأخرى داخل المنطقة.
وبقيت أبيي طوال السنوات الماضية واحدة من أكثر الملفات تعقيداً في العلاقات بين الخرطوم وجوبا، إذ فشلت المحاولات المتكررة في التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن تبعية المنطقة أو آلية إجراء الاستفتاء الخاص بها.
ويأتي القرار الانتخابي الجديد في وقت يواجه فيه البلدان تحديات داخلية كبيرة؛ فالسودان لا يزال غارقاً في حرب ممتدة منذ أبريل 2023، بينما تواجه جنوب السودان بدورها تحديات سياسية وأمنية واقتصادية مع اقتراب موعد الانتخابات.
وفي ظل هذه الظروف، قد يؤدي تصعيد ملف أبيي إلى إضافة نقطة توتر جديدة على حدود البلدين، بينما تبقى إمكانية احتواء الخلاف مرتبطة بعودة قنوات الحوار المشترك والالتزام بالاتفاقيات المنظمة لوضع المنطقة.
وبذلك، لم تعد قضية أبيي مرتبطة فقط بالسؤال القديم حول تبعيتها النهائية للسودان أو جنوب السودان، بل أصبحت الانتخابات المرتقبة في جوبا اختباراً جديداً لمدى قدرة الطرفين على منع الخلاف السياسي والإداري من التحول إلى أزمة أوسع بشأن السيادة والحدود.
اقرأ أيضا
اتهامات للجيش السوداني بقصف مدنيين في شمال كردفان بـ«البراميل المتفجرة»




