قضية حصانة ضابط شرطة بين سلطة النيابة واستقلال العدالة
قراءة قانونية في مسار بلاغات متكررة وشبهات تعسّف في استعمال السلطة
الخرطوم | برق السودان
تعود وقائع هذه القضية إلى خلافٍ مهني نشب داخل منظومة العدالة الجنائية، حين باشر وكيل النيابة بدوي صالح توجيهاته المتعلقة بترحيل أحد المتهمين إلى السجن، في واقعة أثارت جدلًا قانونيًا واسعًا حول حدود الاختصاص الفاصل بين سلطات النيابة وصلاحيات الشرطة.
وبحسب المادة (19) من قانون الإجراءات الجنائية، فإن سلطة وكيل النيابة تقتصر على الإشراف والتوجيه داخل محضر التحري، ولا تمتد إلى دفاتر أحوال الشرطة. كما تمنحه المادة (81) حق المرور اليومي على الحراسات، دون أن تخوّله سلطة مباشرة على الشرطة، إذ تظل ولايته القانونية محصورة في التحري لا في الإدارة أو القيادة التنفيذية.
خلاف مهني يتحوّل إلى بلاغات جنائية
عقب نقاش حاد دار بين وكيل النيابة بدوي صالح والضابط نزار بشأن الصلاحيات والاختصاصات، أُبلغ الضابط بأن محضر التحري بات تحت إشراف وكيل النيابة محمد درار. وعلى إثر ذلك، أقدم بدوي صالح على تفتيش الحراسات، ثم غادر الموقع معربًا عن عدم رضاه عن أسلوب تعامل الشرطة معه.
لاحقًا، رفع وكيل النيابة تقريرًا إلى مدير شرطة الولاية، الذي بدوره شكّل مجلس تحقيق بحق المقدم نزار. وقد انتهى المجلس إلى عدم ثبوت أي مخالفة قانونية أو إدارية تستوجب المساءلة، ليُحفظ التحقيق رسميًا وفق الإجراءات المتبعة.
رفع الحصانة واتهامات جسيمة رغم حفظ التحقيق
رغم صدور قرار الحفظ، فوجئ الضابط نزار بتاريخ 21 نوفمبر 2024م بخطاب رسمي من رئاسة الشرطة يقضي برفع حصانته، لتباشر النيابة لاحقًا إجراءات جنائية ضده بموجب المواد 99 / 103 / 144 من القانون الجنائي، وهي مواد تتعلق بالمعارضة والتهديد والإرهاب.
وهنا تبرز تساؤلات قانونية خطيرة حول الأساس الذي استند إليه قرار رفع الحصانة:
هل صدر بناءً على شكوى مكتوبة ومستوفية؟
أم استند إلى توجيه شفهي أو اتصال هاتفي؟
ولماذا جرى تجاوز نتائج مجلس تحقيق رسمي انتهى إلى الحفظ؟
تحريات مشوبة بتضارب المصالح
بتاريخ 6 ديسمبر 2024م، تم القبض على الضابط نزار، وأُجري التحري معه تحت إشراف وكيل النيابة محمد درار، في خطوة اعتبرها قانونيون مخالفة صريحة لـالمادة (40) من قانون الإجراءات الجنائية، التي تحظر على وكيل النيابة نظر أي دعوى جنائية تكون له فيها مصلحة، مباشرة أو غير مباشرة.
كما تشكّل هذه الخطوة مخالفة واضحة للمادة 48 (هـ) من قانون النيابة العامة لسنة 2017م، لا سيما في ظل وجود خلافات ومشاحنات مهنية سابقة بين وكيل النيابة المشرف على التحري والضابط المتهم.
بلاغ يتجاوز المدد القانونية
ظل البلاغ قيد التحري لمدة ثمانية أشهر، في تجاوز صريح للمدة القانونية المنصوص عليها في المادة (79) من قانون الإجراءات الجنائية. الأمر الذي دفع الضابط نزار إلى رفع شكوى رسمية إلى رئاسة النيابة، مطالبًا بتصحيح المسار الإجرائي.
وبناءً على ذلك، أُحيل البلاغ إلى محكمة جنايات دنقلا، التي أصدرت بتاريخ 23 نوفمبر 2025م حكمًا قضائيًا قاطعًا ببراءة الضابط نزار من جميع التهم المنسوبة إليه.
بلاغ ثانٍ.. والاتهام هذه المرة من ذات المحقّق
رغم صدور حكم البراءة، تفاجأ الضابط بتاريخ 4 ديسمبر 2025م برفع حصانته مرة أخرى في البلاغ رقم 296، تحت المواد 177 / 102 / 89 من القانون الجنائي، والمتعلقة بخيانة أمانة الموظف العام، وكان الشاكي هذه المرة هو وكيل النيابة محمد درار نفسه.
والمفارقة اللافتة أن الاتهام الجديد استند إلى ادعاء نقصان معروضات، في حين أن البلاغ الأصلي الذي بُني عليه هذا الادعاء كان قد عُرض على المحكمة، وصدر فيه حكم بالإعدام شنقًا لأربعة متهمين، مع تغريم متهمين اثنين، وشطب الدعوى في مواجهة متهم واحد.
شهادة فنية تنفي الاتهام
خلال إجراءات التحري، أكد الشهود عدم وجود أي نقصان في المعروضات. كما أقرت اللجنة الفنية المختصة – برئاسة شيخ الصاغة – بأن ما حدث لا يعدو كونه خطأً حسابيًا تتحمل مسؤوليته اللجنة الفنية نفسها، دون أي صلة أو مسؤولية جنائية على الضابط نزار.
مطالبة بتدخل عاجل
تعكس مجمل هذه الوقائع – وفق متابعين وخبراء قانونيين – نمطًا مقلقًا من التعسف في استعمال السلطة، والتربص الوظيفي، ومحاولات ليّ عنق الحقيقة عبر فتح بلاغات متتالية عقب كل قرار قضائي منصف، بما يُنهك المتهم إداريًا ونفسيًا، حتى بعد صدور أحكام البراءة.
وفي هذا السياق، تتصاعد المطالبات بتدخل عاجل من انتصار أحمد عبد العال، لوضع حد لما وُصف بأنه انحراف خطير عن مقاصد العدالة، وضمان عدم توظيف أدوات القانون لتصفية الخلافات الشخصية أو المهنية داخل مؤسسات إنفاذ القانون.
ويبقى السؤال الأخطر مفتوحًا:
إذا كانت أحكام البراءة لا توقف سيل البلاغات… فمن يحمي العدالة من الانتقام باسم القانون؟




