تقارير

من لاهاي إلى داكار.. ملف «كيماوي السودان» يتصاعد ومطالبات بفتح المنشآت أمام المفتشين

تحركات دبلوماسية وحقوقية تضع اتهامات استخدام الأسلحة الكيميائية في السودان تحت المجهر الدولي، وسط مطالبات بتحقيق مستقل والسماح للمفتشين بالوصول إلى المواقع المشتبه بها، فيما تواصل الخرطوم نفي الاتهامات

الخرطوم | برق السودان

عاد ملف استخدام الأسلحة الكيميائية في الحرب السودانية إلى واجهة الاهتمام الدولي خلال أكتوبر 2026، مع انتقال النقاش من التحقيقات الصحفية والتقارير الحقوقية إلى اجتماعات منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي، بالتزامن مع تحركات لمنظمات المجتمع المدني خلال الدورة التاسعة والثمانين للجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب في العاصمة السنغالية داكار.

ويعكس هذا التزامن اتساع نطاق الاهتمام بالاتهامات التي طالت الجيش السوداني، خصوصاً بعد نشر تحقيقات صحفية تناولت وثائق وشهادات ومواد مصورة تتعلق باحتمال استخدام مواد كيميائية سامة خلال العمليات العسكرية.

وتكتسب التطورات الأخيرة أهمية إضافية بالنظر إلى استمرار الحرب في السودان منذ أبريل 2023، وما خلفته من أزمة إنسانية واسعة، فضلاً عن المخاوف من أن يؤدي ثبوت استخدام أسلحة محظورة دولياً إلى فتح مسارات جديدة للمساءلة القانونية والدبلوماسية.

لاهاي تفتح ملف الاتهامات.. ودول غربية تطالب بتحقيق شفاف

شهدت الدورة الثالثة عشرة بعد المئة للمجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، التي انعقدت في لاهاي خلال الفترة من 6 إلى 9 أكتوبر 2026، نقاشات بشأن الاتهامات الموجهة إلى القوات المسلحة السودانية باستخدام مواد كيميائية محظورة.

وأثارت الولايات المتحدة وألمانيا وأستراليا وفنلندا وبلجيكا القضية خلال الاجتماعات، بينما تناولت بريطانيا والاتحاد الأوروبي الملف، مع التركيز على ضرورة تقديم إجابات واضحة بشأن طبيعة المواد المشتبه باستخدامها، ومواقع إنتاجها أو تخزينها المحتملة، ومدى التزام السودان باتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.

وأشارت ألمانيا إلى أن التحقيقات الإعلامية الأخيرة تثير تساؤلات تتجاوز احتمال وقوع حادثة منفردة، لتشمل اتهامات وجود برنامج غير معلن للأسلحة الكيميائية. ودعت السلطات السودانية إلى استكمال تحقيقاتها الوطنية ونشر نتائجها والتعاون بشفافية مع المنظمة الدولية.

مواد ذات صلة

مسعد بولس: واشنطن توصلت إلى أدلة على استخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية ضد المدنيين

من جانبها، أكدت أستراليا أهمية تقديم توضيحات بشأن التقارير التي تحدثت عن تخزين واستخدام ذخائر كيميائية، بينما طالبت فنلندا بمعالجة الاتهامات بصورة موضوعية وسريعة.

وفي السياق ذاته، شددت بريطانيا على ضرورة استكمال التحقيق السوداني ومشاركة نتائجه مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.

أما الاتحاد الأوروبي، فقد تناول إجراءات طلب الإيضاحات المنصوص عليها في المادة التاسعة من اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، وهي آلية تسمح للدول الأطراف بإثارة مسائل تتعلق بالامتثال وطلب توضيحات بشأنها.

وفي تطور يعكس استمرار متابعة الملف، أكدت المديرة العامة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، سابرينا دالافيور، في كلمتها الافتتاحية أمام المجلس التنفيذي يوم 6 أكتوبر، أن الأمانة الفنية تواصل مراقبة التقارير المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية في السودان ومناطق نزاع أخرى.

تواصل الأمانة الفنية مراقبة التقارير المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية، بما في ذلك السودان ومناطق النزاع الأخرى

سابرينا دالافيور المديرة العامة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية

وتعني هذه التصريحات أن الملف لا يزال موضع اهتمام فني ودبلوماسي داخل المنظمة، لكنها لا تشكل إعلاناً عن اكتمال تحقيق دولي مستقل أو صدور نتيجة نهائية تحدد المسؤولية عن استخدام أسلحة كيميائية في السودان.

وتعود جذور التصعيد الدبلوماسي الحالي إلى القرار الأمريكي المعلن في مايو 2025، الذي خلصت فيه واشنطن إلى أن الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية خلال عام 2024.

وأعقب ذلك فرض عقوبات أمريكية بدأت في يونيو 2025، ثم دخلت جولة إضافية منها حيز التنفيذ في 20 يوليو 2026، وشملت قيوداً تجارية ومالية إضافية.

غير أن التقييم الأمريكي، رغم ما ترتب عليه من إجراءات، يظل منفصلاً من الناحية المؤسسية عن نتائج أي تحقيق مستقل تجريه منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.

داكار تضاعف الضغوط.. مطالبات بفتح المنشآت والتحقق من المخزونات

بالتوازي مع التحركات الدبلوماسية في لاهاي، انتقل ملف الأسلحة الكيميائية إلى اجتماعات منظمات المجتمع المدني الإفريقية في داكار، التي سبقت انعقاد الدورة التاسعة والثمانين للجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب.

ودعت منظمات حقوقية مشاركة في المنتدى إلى إجراء تحقيق دولي مستقل في الاتهامات الموجهة إلى الجيش السوداني، والسماح للمفتشين بالوصول إلى المنشآت العسكرية والمواقع المشتبه بارتباطها بإنتاج أو تخزين مواد كيميائية محظورة.

وشملت المطالبات الإفصاح عن أي مخزونات أو ذخائر كيميائية محتملة، وإتاحة التحقق المستقل منها، واتخاذ الإجراءات اللازمة للتخلص من أي أسلحة محظورة وفق الالتزامات الدولية.

وبحسب تقارير عن المنتدى، شارك في اجتماعاته نحو 350 ممثلاً لمنظمات مجتمع مدني من أكثر من 37 دولة، وجرى التأكيد على ضرورة ألا تقتصر معالجة الاتهامات على التحقيقات الوطنية وحدها، بل أن تشمل تعاوناً مباشراً مع الجهات الدولية المختصة.

وتنعقد الدورة العادية للجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب في داكار خلال الفترة من 12 إلى 21 أكتوبر 2026، وفق الجدول الرسمي للاتحاد الإفريقي.

ومن المهم التمييز بين توصيات منتدى المنظمات غير الحكومية، الذي يمثل المجتمع المدني، وبين القرارات الرسمية الصادرة عن اللجنة الإفريقية نفسها؛ إذ لا تعني توصيات المنتدى تلقائياً اعتماد اللجنة قراراً ملزماً بالتحقيق أو التفتيش.

ولم تقتصر المناقشات الحقوقية على ملف الأسلحة الكيميائية، بل امتدت إلى الانتهاكات المنسوبة لطرفي الحرب، واستهداف المدنيين، والنزوح القسري، وتدهور الأوضاع الإنسانية، والدعوات إلى وقف إطلاق النار وإتاحة وصول المساعدات.

ويأتي هذا التحرك في وقت تتزايد فيه المخاوف من استمرار الإفلات من العقاب، ومن الصعوبات التي تواجه عمليات جمع الأدلة وحماية الشهود في ظل الحرب وانعدام الأمن في مناطق واسعة من السودان.

تحقيقات صحفية تكشف تفاصيل جديدة عن برنامج كيميائي 

وكان تحقيق نشرته صحيفة واشنطن بوست في 5 سبتمبر 2026، قد أضاف بُعداً جديداً إلى القضية، بعد أن استند إلى وثائق داخلية ومراسلات ومقاطع فيديو ومواد أخرى قالت الصحيفة إنها تشير إلى وجود برنامج سري لتطوير وتخزين ذخائر تحتوي على مواد كيميائية.

وتناولت المواد التي راجعتها الصحيفة اتهامات بشأن تحويل شحنات من الكلور المخصصة لأغراض مدنية إلى استخدامات عسكرية، وإخفاء مواقع إنتاج ذخائر داخل منشآت عسكرية، وإجراء اختبارات في مناطق صحراوية.

كما أشارت مراسلات وردت في التحقيق إلى احتمال تخزين ما يصل إلى 290 ذخيرة كيميائية، فضلاً عن مزاعم باستخدام بعض هذه الذخائر خلال عمليات عسكرية.

واستشارت واشنطن بوست أكثر من عشرين خبيراً ومسؤولاً في مجالات الاستخبارات والتفتيش الكيميائي وحقوق الإنسان لتقييم المواد التي حصلت عليها.

الأدلة مثيرة للقلق الشديد وتستدعي اهتماماً بالغاً

غاريث ويليامز المسؤول السابق في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية 

وشدد ويليامز على أن الصور وحدها لا تكفي للتحقق بصورة قاطعة من وجود مخزون من الذخائر الكيميائية، وإن كانت المؤشرات التي اطلع عليها تتوافق بدرجة كبيرة مع خصائص برنامج للأسلحة الكيميائية.

وفي ردها على تحقيق واشنطن بوست، قالت الحكومة السودانية إن الاتهامات غير صحيحة، وإن مخزونات الكلور في البلاد مخصصة لتنقية المياه والاستخدامات الصناعية المدنية وقطاع الطاقة، وأبدت استعدادها لإثبات ذلك أمام جهة دولية مختصة.

ويضع هذا التباين بين المواقف الدولية والرواية الرسمية السودانية مسألة التحقق المستقل في صدارة القضية، باعتبارها الوسيلة الأساسية للفصل بين الادعاءات والردود عليها وفق أدلة قابلة للفحص.

هل يتجه الملف نحو تحقيق دولي أوسع؟

تفتح التطورات الأخيرة عدة احتمالات تتعلق بمستقبل الملف، من بينها استمرار إجراءات طلب الإيضاحات داخل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وتوسيع التعاون الفني مع السلطات السودانية، أو المطالبة بترتيبات تسمح بالوصول إلى مواقع محددة للتحقق من المعلومات المنشورة.

وقد تزداد الضغوط الدبلوماسية إذا ظهرت أدلة جديدة موثوقة أو تعثرت جهود التحقق، لكن ذلك لا يعني أن قراراً بالتفتيش أو فرض عقوبات جديدة قد صدر بالفعل.

وتظل أي إجراءات تفتيش خاضعة للآليات القانونية المنصوص عليها في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، ولا يمكن اعتبار الدعوات السياسية والحقوقية بديلاً عن استيفاء هذه الإجراءات.

وبينما تستمر اجتماعات اللجنة الإفريقية في داكار حتى 21 أكتوبر، تبرز أهمية متابعة أي مواقف رسمية قد تصدر عن اللجنة، إلى جانب البيانات اللاحقة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية والدول الأعضاء فيها.

وفي المحصلة، يشير انتقال الملف بين لاهاي وداكار إلى اتساع نطاق المطالبات الدولية بالتحقيق والشفافية، وستبقى الإجابة عن السؤال الأكثر حساسية — هل استُخدمت أسلحة كيميائية في السودان، ومن المسؤول عنها؟ — مرتبطة بنتائج تحقيق مهني مستقل قادر على الوصول إلى المواقع والأشخاص والمواد ذات الصلة.

اقرأ ايضا

72 ألف كيلومتر مربع من السودان لمصر.. مصدر عسكري يثير ملف الأراضي وقصف المعدّنين يفتح أسئلة السيادة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى