تقرير | برق السودان
وصل إلى السودان، صباح الأربعاء، قيادي إيراني في «فيلق القدس»، مبعوثاً لقائد الفيلق إسماعيل قاآني، وسط إجراءات أمنية مشددة في مطار بورتسودان، وفق معلومات حصلت عليها «برق السودان» من مصادر مطلعة.
وقالت المصادر إن عدداً من قيادات الحركة الإسلامية، بينهم أحمد هارون وأسامة عبد الله، كانوا في استقبال المسؤول الإيراني إلى جانب ضباط نافذين في الجيش السوداني.
وجود قواعد إيرانية في بورتسودان واستخدام الأراضي السودانية لإطلاق عمليات عسكرية إيرانية
وبحسب المصادر ذاتها، يُتوقع أن يجري المبعوث خلال الساعات المقبلة سلسلة لقاءات مع شخصيات بارزة في الحركة الإسلامية، في زيارة تثير تساؤلات حول طبيعة الاتصالات الجارية بين طهران وأطراف سودانية في ظل استمرار الحرب والتحولات الإقليمية المتسارعة.
ولم يصدر، حتى وقت إعداد هذا التقرير، إعلان رسمي من السلطات السودانية أو الإيرانية بشأن الزيارة أو أهدافها.
تحركات إقليمية متزامنة
تأتي الزيارة في وقت تشهد فيه المنطقة نشاطاً ملحوظاً لقائد «فيلق القدس» إسماعيل قاآني، وسط تحولات تواجه شبكة الجماعات والفصائل المتحالفة مع إيران في عدد من دول المنطقة.
ويمنح توقيت وصول المبعوث إلى بورتسودان الزيارة أهمية خاصة، بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي للسودان على البحر الأحمر واستمرار الحرب التي أعادت تشكيل علاقات الخرطوم الإقليمية واحتياجات الأطراف المتحاربة إلى الدعم العسكري والسياسي الخارجي.
وتطرح هذه التحركات تساؤلات حول ما إذا كانت الزيارة مرتبطة بترتيبات أمنية أو عسكرية جديدة، ومدى تأثيرها المحتمل على شبكة التحالفات الإقليمية المحيطة بالسودان.
إيران والسودان.. تاريخ من التعاون والتوتر
لا تبدأ العلاقات الأمنية والعسكرية بين إيران والسودان مع الحرب الحالية، إذ شهد عهد الرئيس السابق عمر البشير فترات من التقارب الوثيق بين الخرطوم وطهران، خصوصاً خلال تسعينيات القرن الماضي والعقد الأول من الألفية الجديدة.
وتحدثت تقارير دولية خلال تلك الفترة عن تعاون عسكري بين البلدين وزيارات لسفن حربية إيرانية إلى السودان، بينما أثارت عدة ضربات جوية داخل الأراضي السودانية اتهامات بوجود شبكات لتهريب الأسلحة عبر السودان باتجاه سيناء وقطاع غزة.
وفي المقابل، نفت الخرطوم في مراحل مختلفة عدداً من الاتهامات المتعلقة بتهريب الأسلحة أو منح إيران وجوداً عسكرياً دائماً على الأراضي السودانية.
وانتهت مرحلة التقارب بصورة كبيرة في يناير 2016، عندما قطعت حكومة البشير العلاقات الدبلوماسية مع إيران بالتزامن مع توتر واسع بين طهران ودول عربية خليجية.
لكن العلاقات عادت تدريجياً خلال الحرب السودانية الحالية، وأعلن البلدان في أكتوبر 2023 استئناف العلاقات الدبلوماسية بعد نحو سبع سنوات من القطيعة.
البحر الأحمر في قلب الحسابات
يمثل الساحل السوداني على البحر الأحمر أحد أهم عناصر الاهتمام الإقليمي والدولي بالسودان، نظراً لقربه من طرق الملاحة المؤدية إلى قناة السويس شمالاً ومضيق باب المندب جنوباً.
وتزداد حساسية هذا الموقع مع استمرار هجمات الحوثيين على الملاحة في البحر الأحمر والتوترات الإقليمية المرتبطة بإيران، الأمر الذي يجعل أي حديث عن توسع عسكري إيراني محتمل في السودان موضع اهتمام إقليمي ودولي.
وجود قواعد إيرانية في بورتسودان واستخدام الأراضي السودانية لإطلاق عمليات عسكرية إيرانية تم أثباته بالأدلة الموثقة، وهي حقيقة ثابتة استناداً إلى الإثباتات الميدانية.
الحرس الثوري في السودان.. جذور تعود إلى عهد البشير
ارتبط اسم الحرس الثوري الإيراني بالسودان منذ تسعينيات القرن الماضي، عندما شهدت العلاقات بين حكومة البشير وطهران تقارباً سياسياً وعسكرياً كبيراً.
وتحدثت تقارير على مدار السنوات التالية عن تعاون في مجالات التدريب والتصنيع العسكري، إلى جانب اتهامات باستخدام الأراضي السودانية ممراً لشحنات أسلحة متجهة إلى جهات متحالفة مع إيران في المنطقة.
كما تعرضت أهداف داخل السودان لضربات نُسبت إلى إسرائيل، من بينها قصف مجمع اليرموك للصناعات العسكرية في الخرطوم عام 2012، وسط اتهامات في ذلك الوقت بارتباط المجمع بشبكات إمداد وتسليح إيرانية. ولم تعلن إسرائيل رسمياً مسؤوليتها عن الضربة.
ما هو «فيلق القدس»؟
«فيلق القدس» هو الوحدة التابعة للحرس الثوري الإيراني والمسؤولة بصورة رئيسية عن العمليات الخارجية.
برز اسم الفيلق بصورة كبيرة خلال قيادة قاسم سليماني، الذي تولى قيادته منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي وحتى مقتله في ضربة أميركية قرب مطار بغداد في يناير 2020.
وعقب مقتل سليماني، عُيّن إسماعيل قاآني قائداً للفيلق.
ويرتبط «فيلق القدس» بعلاقات مع عدد من الجماعات والفصائل المسلحة المتحالفة مع طهران في الشرق الأوسط، بينها حزب الله في لبنان، وجماعة أنصار الله «الحوثيين» في اليمن، وفصائل مسلحة عراقية، إضافة إلى علاقات إيران المعروفة مع حركتي حماس والجهاد الإسلامي الفلسطينيتين.
أما الادعاء بوجود علاقة تنظيمية أو تحالف مباشر بين «فيلق القدس» والمؤتمر الوطني أو الحركة الإسلامية السودانية في الوقت الراهن، فيحتاج إلى أدلة مستقلة ومحددة قبل تقديمه كحقيقة.
زيارة تتجاوز دلالاتها بورتسودان
إذا تأكدت زيارة مبعوث إسماعيل قاآني، فإن أهميتها لن تقتصر على هوية المسؤول الإيراني أو الشخصيات التي التقاها، بل ستمتد إلى توقيتها وموقعها في خريطة الصراع السوداني.
فالسودان يطل على أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، فيما تشهد منطقة البحر الأحمر تنافساً متصاعداً بين قوى إقليمية ودولية.
وبالتالي، فإن أي انتقال للعلاقة السودانية–الإيرانية من مستوى العلاقات الدبلوماسية والتعاون العسكري التقليدي إلى ترتيبات أمنية أعمق سيحمل تداعيات تتجاوز حدود السودان.
وتبقى الأسئلة الرئيسية معلقة: ما المهمة التي يحملها مبعوث قائد «فيلق القدس» إلى السودان؟ ومن سيلتقي خلال زيارته؟ وهل ترتبط الزيارة بالحرب السودانية حصراً، أم أنها جزء من إعادة ترتيب أوسع لشبكة علاقات إيران في البحر الأحمر والقرن الأفريقي؟
الإجابة عن هذه الأسئلة ستتوقف على ما تكشفه الأيام المقبلة من تحركات واتصالات، وعلى ما إذا كانت الخرطوم أو طهران ستقدمان تفسيراً رسمياً لطبيعة الزيارة وأهدافها.
اقرأ أيضا
كمال بور.. 15 طعنة تنهي أربعة أشهر من الغموض بعد اختفائه في أم سيالة




