تقارير

بعد السجن تبدأ معركة الجبر.. من يستحق تعويضات جرائم «علي كوشيب» وكيف ستُموّل؟

من سيدفع التعويضات؟ تحدي التمويل بعد صدور القرار

لاهاي | برق السودان

ينتقل ملف علي عبد الرحمن، المعروف بـ«علي كوشيب»، أمام المحكمة الجنائية الدولية إلى مرحلة جديدة تتجاوز إدانة المتهم والعقوبة إلى أحد أكثر الملفات تعقيداً بالنسبة إلى ضحايا جرائم دارفور: جبر الضرر والتعويض عن الانتهاكات التي تعرضوا لها.

وحددت المحكمة الجنائية الدولية يوم 8 سبتمبر 2026 لعقد جلسة علنية للاستماع إلى المرافعات المتعلقة بجبر أضرار ضحايا الجرائم التي أُدين بها كوشيب، في خطوة تفتح الباب أمام بحث نطاق المستفيدين، وطبيعة الأضرار التي يمكن جبرها، وأشكال التعويض الممكنة وآليات تنفيذها وتمويلها.

لكن الجلسة لا تعني أن الضحايا سيحصلون على تعويضات في 8 سبتمبر، ولا أن المحكمة ستصدر بالضرورة في اليوم نفسه أمراً نهائياً بقيمة التعويضات أو أسماء المستفيدين. فالمرحلة المقبلة تتضمن الاستماع إلى المرافعات، ثم المداولات قبل صدور قرار لاحق يحدد إطار جبر الضرر.

كما يأتي هذا المسار بينما لا تزال الطعون المتعلقة بالحكم والعقوبة قيد النظر، ما يجعل الملف القضائي لكوشيب مستمراً على أكثر من مسار.

من إدانة كوشيب إلى حقوق الضحايا.. ماذا ستبحث جلسة 8 سبتمبر؟

تكمن أهمية المرحلة الجديدة في انتقال مركز الاهتمام جزئياً من الجاني إلى الضحايا. فبعد إثبات المسؤولية الجنائية، يبرز سؤال مختلف: كيف يمكن معالجة الضرر الذي خلّفته الجرائم، ومن يحق له الاستفادة من إجراءات الجبر؟

وهنا تبدأ عملية قانونية وإنسانية معقدة، لأن تحديد الضحايا المستحقين لا يرتبط فقط بإعداد قوائم أسماء، وإنما بتحديد الصلة بين الضرر الذي تعرض له كل شخص والجرائم التي انتهت المحكمة إلى مسؤولية كوشيب عنها.

ويفتح ذلك ملف توثيق الأضرار التي لحقت بالضحايا، سواء كانت أضراراً مادية أو جسدية أو نفسية أو اجتماعية، فضلاً عن التداعيات التي أصابت مجتمعات بأكملها نتيجة الانتهاكات.

كما يبرز سؤال حول الشكل الأنسب لجبر الضرر: هل يكون فردياً ويوجه إلى أشخاص بعينهم، أم جماعياً يستهدف المجتمعات المتضررة، أم يجمع بين المسارين؟

وقد يتجاوز مفهوم الجبر دفع مبالغ مالية مباشرة. ففي قضايا الجرائم الدولية، يمكن أن تتخذ إجراءات جبر الضرر صوراً مختلفة بحسب ما تقرره المحكمة وطبيعة الضرر المثبت واحتياجات الضحايا.

ولهذا ستكون جلسة 8 سبتمبر محطة إجرائية مهمة، لكنها ليست نهاية العملية.

من سيدفع التعويضات؟ تحدي التمويل بعد صدور القرار

حتى إذا حُدد المستفيدون وأشكال جبر الضرر، يبقى السؤال الأصعب: من أين ستأتي الأموال اللازمة لتنفيذ القرار؟

وتكتسب هنا آليات المحكمة الجنائية الدولية والصندوق الاستئماني لصالح الضحايا أهمية خاصة، خصوصاً عندما تكون الموارد المتاحة من الشخص المدان غير كافية لتغطية حجم الأضرار.

وسيكون حجم الضحايا الذين تشملهم إجراءات الجبر وطبيعة التدابير التي تعتمدها المحكمة عاملين رئيسيين في تحديد حجم الاحتياجات المالية وآليات التنفيذ.

كما يثير الملف تساؤلات حول الدور الذي يمكن أن يقوم به السودان في تسهيل وصول الضحايا إلى الإجراءات، وتوفير الوثائق والمعلومات والتعاون مع المؤسسات المعنية، خصوصاً بالنسبة إلى الضحايا الموجودين داخل البلاد أو الذين نزحوا أو لجأوا إلى دول أخرى.

ولا ينبغي الخلط، في الوقت نفسه، بين المسؤولية الجنائية الفردية لكوشيب والمسؤوليات الأوسع المرتبطة بجرائم دارفور. فإجراءات جبر الضرر في هذه القضية ترتبط بالجرائم التي أدين بها تحديداً، ولا تمثل آلية شاملة لتعويض جميع ضحايا النزاع في دارفور.

وهذه نقطة جوهرية، لأن عدد المتضررين من سنوات الصراع والانتهاكات في الإقليم أوسع بكثير من النطاق القانوني لقضية واحدة أمام المحكمة.

لذلك قد تصبح مسألة تحديد من يدخل ضمن دائرة المستفيدين ومن يبقى خارجها واحدة من أكثر القضايا حساسية خلال المرحلة المقبلة.

وبالنسبة إلى الضحايا، تمثل إجراءات الجبر اختباراً عملياً لمعنى العدالة بعد سنوات من التحقيقات والمحاكمات. فالإدانة والعقوبة تؤسسان للمساءلة الجنائية، لكنهما لا تعيدان بمفردهما ما فقده الضحايا ولا تعالجان آثار الانتهاكات التي استمرت لسنوات.

ومن هنا تكتسب جلسة 8 سبتمبر أهميتها: فهي لا تعني بدء صرف التعويضات، لكنها تفتح رسمياً معركة قانونية أخرى، عنوانها هذه المرة ليس «هل ارتكب كوشيب الجرائم؟» وإنما «كيف يمكن جبر الضرر الذي خلفته تلك الجرائم، ومن يستحق الاستفادة، ومن سيمول ذلك؟»

وستكون الإجابات التي تقدمها المحكمة لاحقاً مهمة ليس فقط لضحايا القضية، وإنما أيضاً للنقاش الأوسع حول العدالة والمساءلة وحقوق ضحايا دارفور بعد أكثر من عقدين على بداية النزاع.

اقرأ أيضا

ليونيل ميسي يعلن اعتزاله اللعب الدولي مع الأرجنتين ليغلق الفصل الأخير من مسيرة أسطورية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى