الأخبارتقارير

السودان في قلب تقاطع إقليمي يعيد تشكيل ميزان القوى على ضفاف النيل

لماذا تقبل القاهرة بالإسلاميين السودانيين؟

برق السودان | متابعات

الحرب السودانية ليست مجرد صراع داخلي بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بل تحولت إلى ساحة تتقاطع فيها حسابات قوى إقليمية ودولية مختلفة، ما جعلها محوراً لتحليلات العديد من المنصات البحثية والإعلامية الأوروبية.

وفي هذا السياق، نشرت منصة Atalayar الإسبانية، وهي منصة إعلامية وتحليلية متخصصة في الشؤون الدولية والجيوسياسية، مع تركيز على العلاقات الأوروبية والمتوسطية والشرق الأوسط وأفريقيا، تحليلاً موسعاً تناول أبعاد الدور الإقليمي في الحرب السودانية. وتتمتع المنصة بحضور في الأوساط الدبلوماسية والبحثية، وتُعد من المنصات الأوروبية المتخصصة في تغطية وتحليل قضايا المتوسط وشمال أفريقيا والساحل.

ويرى التحليل أن الحرب السودانية لم تعد مجرد صراع داخلي بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بل أصبحت ساحة تتقاطع فيها حسابات قوى إقليمية مختلفة أيديولوجياً، لكنها تلتقي عند هدف مشترك يتمثل في منع سقوط المؤسسة العسكرية السودانية وإعادة تشكيل ميزان القوى في البلاد والمنطقة.

في قلب هذا المشهد، تبرز مصر باعتبارها الدولة الأكثر ارتباطاً بالجيش السوداني من الناحيتين الأمنية والسياسية.

ترى القاهرة أن بقاء قيادة عسكرية مركزية في الخرطوم يمثل ضمانة لأمن حدودها الجنوبية، ولمصالحها في مياه النيل والبحر الأحمر، كما يمثل ضمانة لتحقيق مكاسب، أو بالأحرى طموحات تاريخية.

وتسعى إلى منع ظهور سلطة سودانية مستقلة قد تعيد فتح ملفات حساسة، أبرزها النزاع حول مثلث حلايب وشلاتين وأبو رماد.

لكن التحدي الذي تواجهه السياسة المصرية لا يقتصر على دعم الجيش السوداني، بل يمتد إلى طبيعة القوى التي تقاتل داخله وإلى جانبه.

فقد أعادت الحرب تمكين الشبكات المرتبطة بالحركة الإسلامية السودانية ونظام الرئيس السابق عمر البشير، كما دفعت الكتائب الأيديولوجية والتشكيلات الإسلامية المسلحة إلى واجهة القتال تحت المظلة الرسمية للجيش.

وأشارت تحقيقات صحفية، بينها تقرير لوزارة الخارجية الأمريكية، إلى أن أكثر من 20 ألف مقاتل في ميليشيا متطرفة تُعرف باسم “كتائب البراء بن مالك” يقاتلون إلى جانب الجيش.

كما ذكرت وكالة رويترز أن نحو خمسة آلاف مقاتل مرتبطين بالحركة الإسلامية شاركوا في العمليات العسكرية إلى جانب الجيش، بالتزامن مع عودة شخصيات وشبكات من حزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية إلى مؤسسات الدولة ومراكز النفوذ.

ويقر قادة إسلاميون بأن دعمهم للجيش يمثل طريقاً للعودة إلى السلطة بعد إقصائهم إثر ثورة السودان عام 2019.

التناقض المصري

هنا يظهر أبرز تناقض في السياسة المصرية؛ فالدولة التي تعتبر جماعة الإخوان المسلمين داخل مصر تهديداً وجودياً، وتلاحق أعضاءها وتصنفها تنظيماً إرهابياً، تدعم في السودان مؤسسة عسكرية أصبحت تعتمد جزئياً على مقاتلين وكتائب وشبكات سياسية تنتمي إلى البيئة الإسلامية نفسها.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن القاهرة تتبنى المشروع الأيديولوجي للإسلاميين السودانيين، لكن سياستها العملية تساعدهم على البقاء وإعادة تنظيم صفوفهم، لأن الدعم المقدم للجيش لا يبقى محصوراً داخل الوحدات النظامية.

وفي حرب تتداخل فيها القوات النظامية مع التعبئة الشعبية والمقاومة الشعبية والتشكيلات العقائدية، يصبح من الصعب الفصل بين السلاح الذي يُسلَّم للمؤسسة العسكرية والسلاح الذي تستفيد منه الجماعات الحليفة.

ومن أبرز هذه التشكيلات “كتيبة البراء بن مالك”، وهي قوة إسلامية مسلحة شاركت في عدة معارك رئيسية إلى جانب الجيش.

ووفق تحليل نشره معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، فإن هذه التشكيلات تعمل ضمن الإطار العملياتي العام للقوات المسلحة السودانية، لكنها تحتفظ بقيادة وتنظيم ومرجعية مستقلة، ما يجعل علاقتها بالجيش أقرب إلى تحالف عملياتي منها إلى اندماج كامل في سلسلة القيادة العسكرية.

دعم مؤسسة أم تمكين شبكة موازية؟

تبرر مصر علاقتها بالجيش السوداني بأنها دعم لمؤسسات الدولة ورفض لتفكيك القوات المسلحة أو استبدالها بتشكيلات شبه عسكرية.

غير أن هذا التبرير يتجاهل التحولات العميقة التي طرأت على بنية الجيش خلال الحرب.

فالجيش السوداني لم يعد يتحرك منفرداً، بل ضمن منظومة تضم وحدات نظامية، وأجهزة أمنية أعيد تنشيطها، ومقاتلين سابقين في قوات الدفاع الشعبي، وكتائب إسلامية، ومجموعات تعبئة محلية.

وعندما تقدم دولة خارجية معلومات استخباراتية أو تدريباً أو تسهيلات جوية أو ذخائر أو منظومات توجيه لهذه المنظومة، فإن أثر ذلك لا يتوقف عند المؤسسة العسكرية الرسمية، بل يمتد إلى مختلف القوى التي تقاتل تحت مظلتها.

لذلك، لا ينبغي أن يكون السؤال الأوروبي: هل تدعم مصر الجيش السوداني؟

بل يجب أن يكون: ما آثار هذا الدعم؟ ومن يملك سلطة اتخاذ القرار في العمليات التي تُستخدم فيها الأسلحة والمعلومات والتسهيلات المقدمة؟

وقد يؤدي الدعم المصري، حتي وإن كان هدفه المعلن الحفاظ على الدولة، إلى تعزيز البنية العسكرية والأمنية التي حمت نظام البشير لعقود، ومنح الإسلاميين فرصة للعودة باعتبارهم القوة الأكثر تنظيماً وقدرة على الدفاع عن الجيش.

والمفارقة أن القاهرة قد تكون، من حيث لا تقصد، تساهم في إعادة بناء نفوذ الحركة الإسلامية السودانية، التي تربط بعض مكوناتها علاقات سياسية وأيديولوجية مع تركيا وإيران وقطر، وهي علاقات لا تتوافق دائماً مع المصالح المصرية.

شبكة دعم تتجاوز التحالفات التقليدية

يتداخل الدعم المصري للجيش السوداني مع دعم عسكري تركي وإيراني.

ولا يعني هذا وجود تحالف سياسي متكامل بين القاهرة وأنقرة وطهران، بل يعكس قدرة قيادة الجيش السوداني على استقطاب المساعدات من أطراف متنافسة، يسعى كل منها إلى تأمين نفوذ مستقل داخل السودان.

ووفقاً لتقرير لوكالة رويترز، زودت إيران الجيش السوداني بطائرات مسيّرة، بينها طائرات “مهاجر-6”، وأسهم استخدامها في تعديل ميزان القوى الميداني منذ مطلع عام 2024، خصوصاً في عمليات الاستطلاع والاستهداف حول الخرطوم.

وقالت مصادر لرويترز إن طائرات شحن مرتبطة بإيران استخدمت لنقل هذه المنظومات إلى السودان، رغم غياب إعلان رسمي مفصل حول طبيعة التعاون العسكري بين البلدين.

كما وسعت تركيا علاقاتها العسكرية مع قيادة الجيش، وظهرت طائرات مسيرة وأسلحة تركية الصنع في مسرح العمليات.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة The New Arab، استمرت رحلات الشحن الجوي بين إسطنبول وبورتسودان، وشملت استخدام طائرات نقل روسية الصنع في بعض الرحلات.

كما أشار التقرير إلى معلومات عن وجود خبراء أو مدربين أتراك شاركوا في تدريب عناصر سودانية على تشغيل أنظمة متطورة للطائرات المسيّرة.

وتوجد أيضاً معلومات وتحليلات مفتوحة المصدر عن هبوط طائرات عسكرية أو شحن تركية في منشآت مصرية قرب الحدود السودانية، وعن حركة نقل بين تركيا ومصر وبورتسودان.

وبحسب مصادر سودانية، فإن معظم هذه الرحلات كانت تنقل أسلحة أو تتبع مساراً ثابتاً من تركيا عبر مصر إلى السودان.

ولذلك، فإن الحديث عن “كثافة الرحلات العسكرية التركية عبر مصر” ينبغي التعامل معه بوصفه مؤشراً مهماً يستحق التحقيق.

إذ يتطلب التحقق منه مراجعة سجلات الطيران، وصور الأقمار الصناعية، وبيانات الشحن، وأرقام تسجيل الطائرات، وتحديد المطارات التي أقلعت منها وهبطت فيها.

لكن مجرد استخدام الأراضي أو القواعد المصرية كنقطة عبور أو دعم لوجستي يعني أن القاهرة لم تعد توفر غطاءً سياسياً للجيش فحسب، بل أصبحت جزءاً من منظومة إمداد إقليمية تربط الصناعات الدفاعية التركية بالساحة السودانية.

مصر وإيران: تقارب تكتيكي رغم الخصومة

يمثل تقاطع الدعم المصري والإيراني داخل الساحة السودانية أحد أبرز ملامح الحرب.

فالعلاقة بين القاهرة وطهران ظلت تاريخياً محدودة ومحكومة بالشكوك، لكن السودان أتاح تداخل أدوارهما دون الحاجة إلى تنسيق سياسي مباشر.

فمصر تسعى إلى ترسيخ نفوذها عبر الجيش السوداني المسيطر على العاصمة والحدود ومؤسسات الدولة.

بينما تسعى إيران إلى موطئ قدم على البحر الأحمر، وإلى بناء علاقة طويلة الأمد مع مؤسسة عسكرية تحتاج إلى السلاح والتكنولوجيا.

أما الإسلاميون السودانيون، فينظرون إلى إيران وتركيا باعتبارهما مصدرين للأسلحة والدعم السياسي الذي يمكن استثماره لاستعادة نفوذهم.

وهكذا تنشأ شراكة غير معلنة، توفر فيها مصر العمق الجغرافي والغطاء السياسي وربما التسهيلات اللوجستية، بينما توفر تركيا أنظمة القتال والتدريب والخبرة، وتقدم إيران الطائرات المسيّرة والذخائر والتقنيات، في حين تشغل القوات المسلحة والكتائب الإسلامية هذه الموارد على الأرض.

ولا يجمع هذه الأطراف مشروع سياسي واحد، بل الرغبة المشتركة في منع هزيمة الجيش.

غير أن نتائج هذا التقاطع قد تتجاوز أهداف كل دولة، لأنه يمنح التيار الإسلامي السوداني بيئة عسكرية ومالية وسياسية تسمح له بالعودة تدريجياً إلى مركز الدولة.

لماذا تقبل القاهرة بالإسلاميين السودانيين؟

يمكن تفسير السلوك المصري بالتمييز بين الإسلاميين بوصفهم خصوماً أيديولوجيين، والإسلاميين بوصفهم أداة داخل منظومة عسكرية يمكن احتواؤها.

ففي مصر تنافس جماعة الإخوان الدولة على الشرعية والسلطة، وتمثل تهديداً مباشراً لبنية الحكم.

أما في السودان، فيبدو أن القاهرة ترى أن الإسلاميين يعملون داخل المؤسسة العسكرية وتحت قيادة يمكن التأثير عليها.

ويستند هذا النهج إلى منطق براغماتي يقدّم اعتبارات الأمن والجغرافيا على الاتساق الأيديولوجي.

فالقاهرة لا تحتاج إلى سودان قوي وديمقراطي ومستقل بقدر حاجتها إلى سلطة يمكن التفاهم معها بشأن الحدود، والنيل، والبحر الأحمر، والأمن الداخلي.

لكن هذا الحساب يحمل مخاطرة استراتيجية؛ فالإسلاميون السودانيون ليسوا مجرد قوة دعم مؤقتة، بل يمتلكون شبكات مالية وتنظيمية وعسكرية تراكمت خلال ثلاثة عقود من حكم البشير، وقد يستخدمون الحرب لاستعادة مؤسسات الدولة، لا لحمايتها فقط.

وإذا انتهت الحرب بانتصار الجيش دون تفكيك الكتائب العقائدية وشبكات النظام السابق، فقد تنشأ سلطة عسكرية إسلامية جديدة تعتمد أكثر على السلاح الإيراني والتركي، وأقل قابلية للنفوذ المصري مما تتوقعه القاهرة.

النيل والبحر الأحمر والحدود

يرتبط الدعم المصري أيضاً بحسابات سد النهضة الإثيوبي. فالقاهرة تحتاج إلى سودان قريب منها في ملف مياه النيل، أو على الأقل إلى سلطة لا تتحالف مع أديس أبابا ضد المصالح المصرية.

كما تخشى أن يؤدي انهيار السودان أو انقسامه إلى ظهور سلطات متعددة على امتداد النيل والحدود والبحر الأحمر، بما يعقّد إدارة ملفات المياه والهجرة والتهريب والأمن.

ومن هذا المنطلق، ترى القاهرة أن الجيش السوداني، رغم علاقاته بالإسلاميين وإيران وتركيا، لا يزال شريكاً يمكن التأثير عليه.

لكن حماية المصالح المصرية عبر دعم طرف عسكري قد تؤدي إلى نتيجة معاكسة.

فاستمرار الحرب يدفع السودان نحو مزيد من التفكك، ويزيد نشاط التهريب والهجرة وشبكات السلاح، ويخلق بيئة خصبة للجماعات المسلحة ذات الطابع العقائدي على الحدود الجنوبية لمصر.

التداعيات على أوروبا

بالنسبة لأوروبا، لا يقتصر الخطر على انتهاكات الحرب داخل السودان.

فإعادة بناء سلطة عسكرية تستند إلى كتائب إسلامية، وأسلحة ومدربين إيرانيين وأتراك، قد تخلق نظاماً جديداً يجمع بين السلطوية والعسكرة والأيديولوجيا الدينية.

كما أن استمرار تدفق السلاح يطيل أمد الحرب والنزوح، ويزيد الضغط على مصر وليبيا والبحر المتوسط، ويرفع احتمالات الهجرة غير النظامية، والاتجار بالبشر، وانتقال الأسلحة عبر منطقة الساحل والقرن الأفريقي.

ولا ينبغي للدول الأوروبية أن تنظر إلى الدعم الخارجي للجيش باعتباره دعماً محايداً لمؤسسة وطنية.

بل يجب أن يكون معيار التقييم هو هوية الوحدات المستفيدة، وسلسلة القيادة، وآليات الرقابة، ومدى مشاركة الكتائب العقائدية في العمليات.

كما ينبغي التحقيق في الرحلات والشحنات العسكرية القادمة من تركيا وإيران، وإمكانية استخدام منشآت أو مجال جوي أو شركات مسجلة في دول ثالثة، بما فيها مصر، لنقل المعدات إلى السودان.

لا تنطلق السياسة المصرية تجاه السودان من تعاطف أيديولوجي مع الحركة الإسلامية، بل من أولوية الجغرافيا والأمن والنيل والحدود وحلايب والبحر الأحمر.

لكن في سعيها لحماية هذه المصالح، تتجاهل الفرق بين دعم الجيش كمؤسسة، ودعم المنظومة المسلحة التي بات يعمل ضمنها.

فالأسلحة والتدريب والمعلومات والتسهيلات الجوية لا تصل إلى فراغ مؤسسي، بل إلى جيش يخوض الحرب إلى جانب كتائب إسلامية، ومجموعات تعبئة، وشبكات أمنية مرتبطة بالنظام السابق.

وبذلك يصبح الدعم المصري، مهما كانت نواياه المعلنة، عاملاً في تمكين قوى تعتبرها القاهرة نفسها خطراً عندما تعمل داخل الأراضي المصرية.

ولا يكمن التناقض المصري في أن القاهرة تحارب الإخوان في الداخل وتدعمهم في السودان، بل في افتراضها قدرتها على استخدامهم خارج حدودها دون أن يتحولوا لاحقاً إلى قوة مستقلة.

وقد تكون هذه هي نقطة الضعف الأكبر في الاستراتيجية المصرية.

فالحركات الأيديولوجية التي تعود إلى السلطة بقوة السلاح وشبكات الحرب لا تبقى عادة مجرد أدوات بيد داعميها، بل تتحول إلى شريك يفرض شروطه، ثم إلى مركز قوة يصعب تفكيكه.

ومن ثم، قد تنجح مصر على المدى القصير في ترسيخ سيطرتها الفعلية على حلايب، ودعم الجيش، وضمان وجود حكومة سودانية موالية، لكنها على المدى البعيد قد تواجه خطر الإسهام في نشوء نظام عسكري ذي نفوذ إسلامي جديد على حدودها الجنوبية، مدعوم بالتكنولوجيا الإيرانية والتركية، وقادر على إعادة إنتاج الأزمة التي تقول القاهرة إنها تحاربها منذ سنوات.

اقرأ ايضا

واشنطن تمنح الإمارات امتيازات تصديرية جديدة في الدفاع والذكاء الاصطناعي

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى