تقارير

الإغاثة تحت النار.. السودان ثاني أخطر بلد في العالم على العاملين الإنسانيين

71 قتيلاً.. عندما يصبح الوصول إلى المحتاجين مهمة شديدة الخطورة

الخرطوم | برق السودان – تقرير

تحول العمل الإنساني في السودان إلى واحدة من أخطر المهام في العالم، بعدما كشفت بيانات أممية عن مقتل 71 عاملاً إنسانياً في البلاد خلال عام 2025، ما وضع السودان في المرتبة الثانية عالمياً بين أكثر البلدان فتكاً بالعاملين في مجال الإغاثة، بعد قطاع غزة.

وتكشف الأرقام جانباً آخر من الكلفة الإنسانية للحرب السودانية؛ فالعاملون الذين يفترض أن يصلوا بالغذاء والدواء والمياه والخدمات الأساسية إلى المدنيين باتوا أنفسهم عرضة للقتل والإصابة والاختطاف، في وقت تعتمد فيه أعداد كبيرة من السكان على المساعدات للبقاء على قيد الحياة.

وجاء الكشف عن هذه البيانات بالتزامن مع اليوم العالمي للعمل الإنساني، وسط تحذيرات متزايدة بشأن الأخطار التي تواجه فرق الإغاثة في مناطق النزاعات، وما يترتب على الاعتداءات ضدها من تعطيل للعمليات الإنسانية وتقليص القدرة على الوصول إلى المحتاجين.

وبحسب قاعدة بيانات أمن العاملين الإنسانيين، سُجلت عالمياً خلال عام 2025 نحو 907 حالات قتل أو إصابة أو اختطاف للعاملين في المجال الإنساني، في مؤشر على مستوى غير مسبوق من المخاطر التي تواجه عمليات الإغاثة في مناطق الحروب والأزمات.

وفي السودان، تكتسب حصيلة الضحايا دلالة أكثر خطورة بالنظر إلى اتساع رقعة الاحتياجات الإنسانية، وصعوبة الوصول إلى مناطق واسعة، خصوصاً في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، حيث تتداخل العمليات العسكرية وانعدام الأمن مع ضعف البنية التحتية وتعقيدات إيصال المساعدات.

71 قتيلاً.. عندما يصبح الوصول إلى المحتاجين مهمة شديدة الخطورة

لا تعكس حصيلة مقتل 71 عاملاً إنسانياً مجرد ارتفاع في عدد ضحايا الحرب، وإنما تكشف عن البيئة شديدة الخطورة التي تعمل فيها فرق الإغاثة داخل السودان.

فالعمل الإنساني يعتمد بصورة أساسية على قدرة المنظمات على تحريك الموظفين والشاحنات والإمدادات بين المدن والمناطق الريفية ومخيمات النزوح، إلا أن انعدام الأمن والاعتداءات على العاملين والقوافل يمكن أن يحولا الطريق إلى المجتمعات المحتاجة إلى مخاطرة يصعب تحملها.

وتزداد المشكلة تعقيداً في المناطق التي يصعب الوصول إليها أصلاً، إذ إن فقدان عاملين أو تعرض قافلة للاعتداء قد يدفع المنظمات إلى تعليق تحركاتها أو تغيير مساراتها أو تقليص وجودها، بما يؤخر وصول المساعدات إلى السكان.

ولا تقتصر الخسائر، لذلك، على العامل الإنساني الذي يُقتل أو يصاب أو يُختطف، بل تمتد إلى المدنيين الذين كان من المفترض أن تصل إليهم المساعدات التي يحملها.

وفي مناطق تعتمد فيها مجتمعات كاملة على الإغاثة الخارجية للحصول على الغذاء أو الأدوية أو المياه والخدمات الصحية، يمكن لأي توقف في العمليات أن تكون له تداعيات مباشرة على حياة السكان.

وتبرز دارفور وكردفان والنيل الأزرق بصورة خاصة ضمن المناطق التي تجعل فيها الأوضاع الأمنية وتعقيدات الوصول مهمة المنظمات الإنسانية أكثر صعوبة، في ظل اتساع المسافات واضطراب الطرق واستمرار النزاع في عدد من المحاور.

استهداف الإغاثة يضاعف كلفة الحرب على المدنيين

الخطر الأكبر الذي تكشفه الأرقام لا يتعلق بعدد الضحايا وحده، وإنما بما يحدث بعد كل اعتداء على العاملين أو القوافل الإنسانية.

فحين تصبح الطرق غير آمنة أو يتعرض الموظفون للخطر، قد تضطر المنظمات إلى تعليق بعض العمليات أو تقليص حركة فرقها، وهو ما يعني أن شحنة غذاء قد لا تصل، أو أن أدوية ومستلزمات طبية قد تتأخر، أو أن مجتمعات معزولة قد تفقد إحدى قنواتها القليلة للحصول على المساعدة.

ولهذا ترتبط حماية العاملين الإنسانيين بصورة مباشرة بحماية المدنيين؛ فكلما تراجعت قدرة فرق الإغاثة على التحرك، تقلصت قدرة النظام الإنساني على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.

كما أن استمرار الاعتداءات يهدد بإحداث تأثير تراكمي، إذ قد يؤدي ارتفاع مستوى المخاطر إلى زيادة تكاليف العمليات وتعقيد الإجراءات الأمنية وتقليص الوجود الميداني، في وقت تحتاج فيه الأزمة السودانية إلى توسيع نطاق الوصول الإنساني لا تقليصه.

وتضع حصيلة عام 2025 السودان أمام مفارقة قاسية: فكلما ازدادت حاجة السكان إلى الإغاثة، أصبحت مهمة الوصول إليهم أكثر خطورة على الأشخاص المكلفين بتقديمها.

وبذلك، فإن تصنيف السودان كثاني أكثر بلدان العالم فتكاً بالعاملين الإنسانيين لا يمثل رقماً منفصلاً عن الأزمة الإنسانية الأوسع، وإنما يعكس إحدى حلقاتها الأكثر خطورة؛ لأن الاعتداء على فرق الإغاثة لا ينتهي عند الضحية المباشرة، بل قد يمتد أثره إلى آلاف المدنيين الذين ينتظرون خلف خطوط القتال وصول الغذاء والدواء والمياه والمساعدات الأساسية.

اقرأ ايضا

13 ألف حالة إيدز و55 ألفاً بالتهاب الكبد في السودان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى