البرهان يفرّط في الأرض والدم: صمت على مجزرة المعدّنين وصفعات مصرية متتالية للسيادة
دم مصري يحرّك الدولة ودم سوداني يُبرَّر ويُشكَّك فيه
الخرطوم | برق السودان – متابعات
لم يعد عبد الفتاح البرهان بحاجة إلى من يفضح زيف شعارات السيادة والكرامة التي يرفعها. موقفه من مقتل العشرات من المعدّنين السودانيين بطيران مصري، يوم السبت 10 أكتوبر 2026، في منطقة شمال الوادي (جبل العقيدات) أقصى شمال ولاية البحر الأحمر، مزّق آخر ستار كان يخفي تبعيته الكاملة. سقطت ورقة توت «السيادة»، وانكشف أن الأرض والدم والكرامة بضاعة يبيعها بثمن بخس مقابل تشبثه بكرسي السلطة على أنقاض خراب البلاد.
دم مصري يحرّك الدولة ودم سوداني يُبرَّر ويُشكَّك فيه
يوم الاثنين 12 أكتوبر، قُتل السائقان المصريان محمد لطفي وأكرم محمد، وأُصيب مواطن مصري ثالث، بإطلاق نار في سوق محلي جنوب الخرطوم. تحركت الخارجية المصرية فوراً وبحسم. وجّه الوزير بدر عبد العاطي سفيره ياسر سرور بالتواصل المباشر مع السلطات التابعة للقوات المسلحة، ومتابعة حالة المصاب، والإسراع بنقل الجثمانين إلى مصر. التقى السفير والي الخرطوم المعيّن بواسطة القوات المسلحة، الذي حضر لتقديم العزاء والاطمئنان على المصاب، وأُعلن القبض على المتهم الذي تشير تقارير إلى انتمائه للقوات المشتركة وبدافع انتقامي مرتبط بقصف مناطق التعدين.
أما البرهان، حين قُتل العشرات من السودانيين داخل الأراضي السودانية وعلى بعد عشرات الكيلومترات من الحدود؟ صمتت السلطة أولاً، ثم انطلقت أبواقها الإعلامية تبرر وتشكك في مكان الجريمة، وكأن عبور الحدود أو العمل في التعدين يمنح تصريحاً بقتل البشر دون محاسبة. وبعد أيام، صدر بيان مجلس السيادة التابع للبرهان يعزّي في «الحادث الأليم» ويعلن تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، متجنباً تسمية الجهة المتهمة أو الاعتراف الصريح بأن القصف وقع داخل الأراضي السودانية. أُسدل الستار بتعزية ولجنة أخرى تُضاف إلى قائمة لجان التضليل التي لا تصل إلى نتيجة.
بيان الجيش المصري يفضح الموقف ويوسّع رقعة الاحتلال الفعلي
قبل أن يجف حبر بيان مجلس السيادة غير الشرعي، جاء بيان الجيش المصري ليوجه صفعة مباشرة للبرهان وسلطته. أكد أن الغارات تمت في إطار «مكافحة التنقيب غير المشروع» عن الذهب في الصحراء الشرقية، ووصف المستهدفين بـ«العناصر الإجرامية»، وقال إن العمليات تهدف إلى «فرض كامل السيادة داخل حدود الدولة المصرية» وحماية ثرواتها. لم يكتف الجانب المصري بسفك الدماء، بل أعلن عملياً التعامل مع مناطق حدودية سودانية غنية بالثروات كجزء من نطاق سيادته الفعلية. هكذا، دون وجه حق أو معارضة تُذكر من الخرطوم، تتسع رقعة الاحتلال المصري للتراب السوداني. سُلبت حلايب وشلاتين في زمن البشير، ويأتي البرهان ليكمل مهمة استتباع السودان والتفريط في أرضه وثرواته.
مواد ذات صلة
تحقيق استقصائي لصحيفة نيويورك تايمز، نُشر في 12-13 أكتوبر، عزز الاتهامات بقوة. استند إلى شهادات ناجين ومقاطع مصورة وتحليل ذخائر، وأشار إلى أن الهجوم وقع على بعد نحو 40 كيلومتراً داخل الأراضي السودانية. أظهرت أدلة ما يشبه قنبلة مصرية من طراز «نصر 400» غير منفجرة. وقدرت مجموعة «محامو الطوارئ» عدد القتلى بنحو 72، بينما أفاد شهود بمقتل 65 على الأقل وإصابة أكثر من 120، مع تقديرات أخرى من ناجين تصل إلى نحو 200 قتيل. ويُعد هذا الهجوم الثاني على المنطقة نفسها منذ يونيو الماضي، ما يشير إلى نمط متكرر وليس حادثاً معزولاً.
يكشف هذا الخضوع تواطؤاً سياسياً يؤكد أن بقاء البرهان صار مهدداً وجودياً لبقاء السودان نفسه كدولة مستقلة. من يستمد ضمانة حكمه من الخارج يصبح أسيراً لمن يسانده، ويدفع من أرض بلاده واستقلال قرارها وحقوق مواطنيها كلفة استمراره في السلطة. حين يصمت الحاكم أمام إفادات واضحة عن قصف أرضه وقتل شعبه، ثم يترك أبواقه تدافع عن الجهة المتهمة أو تشكك في وقوع الجريمة أصلاً، يصبح شريكاً في طمس الحقيقة وإهدار حقوق الضحايا. المسؤولية الرئيسية في هذا التفريط تقع على عاتق البرهان وسلطته، ولن تمحو آثارها بيانات التعزية أو لجان التقصي الشكلية.
سقطت شعارات السيادة والكرامة التي رُفعت سلاحاً لتخوين المدنيين وتبرير استمرار الحرب. من كانوا يرفعونها في وجوه السودانيين هم أول من يدوسون عليها أمام حلفائهم. يبطشون بالمواطن باسم حماية الدولة، ثم يعجزون عن حمايته حين يتعرض للقتل على أرضه. ويتهمون دعاة السلام بالعمالة، بينما يربطون مصير البلاد بمصالح من يضمنون بقاءهم في الحكم.
في مارس 2021، ومن داخل مؤسسة الأهرام ومركزها للدراسات بالقاهرة، قال رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك: «نريد أن ننظر للعلاقة ببعدها الاستراتيجي، وأن نناقش المسكوت عنه»، وطرح قضية حلايب وشلاتين ضمن الملفات المسكوت عنها. لم تمنعه الرغبة في التعاون من فتح قضية الأرض والحقوق العالقة. خاطب مضيفيه بمنطق المصارحة والندية، لا بمنطق التبعية والصمت.
ونقلت صحيفة وول ستريت جورنال في 4 نوفمبر 2021 أن مدير المخابرات المصرية آنذاك عباس كامل زار الخرطوم قبل الانقلاب، والتقى البرهان متجنباً لقاء حمدوك، وقال له إن «حمدوك يجب أن يرحل». كما أوردت أن البرهان زار القاهرة سراً عشية الانقلاب طلباً للدعم. هذه الرواية تكشف من عمل ضد السودان وشعبه وسيادته، ومن عمل لتجنيب بلاده الشرور. فمن العملاء بحق؟ وما العمالة سوى أن تبيع تراب وطنك ودماء شعبك بأي ثمن مقابل كرسي؟
المطلوب الآن وقف الحرب فوراً، وحماية المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عن كل الجرائم التي ارتُكبت في حق السودانيين، سواء على يد أطراف الحرب الداخلية أو عبر الغارات الخارجية التي تمر دون رد. الواجب هو طي صفحة سلطة البرهان العسكرية، وكل حكم يستند على شرعية البندقية، وبناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة تحفظ أمن السودان وأرضه وسيادته، وتخضع لسلطة مدنية تستمد مشروعيتها من الشعب. مؤسسة تحمي المواطنين، وتمنع تحويل السلاح إلى طريق للحكم، وتصون القرار الوطني من الارتهان.
لقد دفع السودانيون ما يكفي من دمائهم وأرضهم ومستقبلهم. ولن يكون السودان رهينة لطموحات البرهان في البقاء في السلطة على حساب سيادة البلاد وحقوق شعبها.
اقرأ ايضا
مجاعة تلوح في همشكوريب.. نفاد الذرة من الأسواق وقيود نقل الغذاء تهدد حياة السكان




