الأخبارتقارير

سيارة «تاتشر» بتخليص جمركي سعودي في الخرطوم.. مؤسسة حسين اليامي على خط إمداد الحرب

حياد معلن في الرياض ودعم يطيل الحرب في السودان

تحقيق استقصائي | برق السودان

كشفت وثائق ومعلومات ميدانية حصلت عليها «برق السودان» أن سيارة لاندكروزر معدّة عسكرياً «تاتشر» ضبطتها قوات تحالف السودان التأسيسي «تأسيس» بعد سيطرتها على منطقة خرطوم بليل، تحمل بيانات مؤسسة حسين اليامي للتخليص الجمركي في جدة، برخصة رقم 4401. السيارة، وفق المعاينة، قطعت نحو 4500 كيلومتر فقط، وهو رقم يفتح باب الاستدلال على مسار شحن مباشر من المصنع إلى جبهات القتال بعد تغيير لون الطلاء، لا على استخدام مدني طويل الأمد داخل المملكة أو السودان.

العقوبات يجب ألا تقتصر على القادة الميدانيين بل تمتد إلى الشركات والوسطاء الذين يحوّلون التخليص الجمركي إلى خط إمداد للحرب

المؤسسة، حسب البيانات التي تحصلت عليها «برق السودان»، منشأة وطنية سعودية مسجّلة ضمن دليل المخلصين الجمركيين المعتمدين لدى هيئة الزكاة والضريبة والجمارك، ومقرها جدة في منطقة الهنداوية بشارع خالد بن عبدالعزيز. اللوحة والبيانات المثبتة على السيارة تحمل اسم المؤسسة ورقم الرخصة، مع أرقام تواصل ظاهرة باللون الأحمر.

تاتشر بـ 4500 كيلومتر… من التخليص الجمركي إلى الكتائب الميدانية

يُقصد بـ«التاتشرات» في سياق الحرب السودانية سيارات الدفع الرباعي، وأشهرها تويوتا لاندكروزر، بعد تجهيزها برشاشات أو مضادات طائرات.

مواد ذات صلة

غزل العزاء الدبلوماسي: برقيات “الإخوان” للسعودية تكشف كواليس التقارب ومقايضات الملفات الإقليمية

منذ أبريل 2023، صارت هذه العربات عمود الحركة والمناورة للكتائب الإسلامية المتطرفة المتحالفة مع الجيش السوداني، تماماً كما استُخدمت سابقاً في دارفور والخرطوم كآلة رعب ميدانية لا كمركبة مدنية.

ضبط هذه العربة تحديداً بعد سيطرة قوات «تأسيس» على المنطقة لا يعني مجرد غنيمة حرب. البيانات الجمركية السعودية على جسم السيارة، مع المسافة القصيرة المقطوعة، تشير إلى نمط لوجستي: تخليص مركبات جديدة أو شبه جديدة، إعادة طلاء من الأبيض إلى ألوان ميدانية، ثم دفعها نحو مناطق الاشتباك. هذا النمط، إن تكرر، يحول شركة تخليص جمركي من وسيط تجاري مرخّص إلى حلقة في سلسلة إمداد عسكري غير معلنة.

تؤكد مصادر التحقيق أن المؤسسة تُصنَّف ضمن الممولات غير المباشرة للحرب عبر تسهيل وصول سيارات الدفع الرباعي من خطوط الإنتاج إلى مناطق الصراع. لا تحتاج الكتائب إلى أسطول مدرعات ثقيلة دائماً؛ تكفيها تاتشرات سريعة رخيصة الصيانة وسهلة التسليح. كل عربة جديدة تصل إلى الجبهة تطيل أمد المعارك وتزيد قدرة الطرف المستفيد على الكرّ والفرّ وحصار المدنيين.

حياد معلن في الرياض ودعم يطيل الحرب في السودان

تعلن الرياض التزام الحياد، وتدعو إلى «حل سوداني» للصراع، وتشارك في رعاية مسارات وساطة مع الولايات المتحدة. في الأسابيع الأولى من القتال لعبت المملكة دوراً بارزاً في إجلاء آلاف الأشخاص، معظمهم أجانب. غير أن مراقبين يرون أن المملكة، كما مصر، قدّمت للبرهان والقوات المسلحة دعماً دبلوماسياً غير مباشر، وأن لها مصلحة اقتصادية واستراتيجية عميقة في السودان، منها منع تفوّق منافسين إقليميين عليها.

التقارير الدولية اللاحقة رسمت صورة أوسع: تمويل صفقات مدرعات ومعدات عبر قنوات ثالثة، وتقاطع مصالح أمنية واقتصادية مع حكومة بورتسودان. سواء ثبت أن مؤسسة حسين اليامي تتصرف بعلم سياسي رفيع أو كحلقة تجارية تستغل ثغرات الرقابة، فإن النتيجة واحدة على الأرض السودانية: عتاد يصل، كتائب متطرفة تتحرك، ومدنيون يدفعون الثمن. استمرار تدفق الآليات يعني استمرار القدرة على القتال، لا على التفاوض.

هذا التحقيق لا يدّعي أن الرياض تعلن تسليح طرف بعينه عبر بيان رسمي. هو يوثّق أثراً مادياً: رخصة تخليص سعودية، عنوان في الهنداوية، رقم 4401، وسيارة قتالية حديثة العهد بالكيلومترات في منطقة اشتباك. ذلك يكفي ليُطرح السؤال على هيئة الزكاة والضريبة والجمارك، وعلى الجهات الرقابية السعودية، وعلى المجتمع الدولي: كيف تخرج مركبات بهذه المواصفات من دورة التخليص التجارية لتظهر بعد آلاف قليلة من الكيلومترات فوق ظهور الكتائب؟

حرب السودان لم تعد نزاعاً داخلياً مغلقاً. كل شحنة آليات، وكل شركة تسهّل عبورها، تساهم في إطالة أمد كارثة إنسانية أودت بحياة عشرات الآلاف وشرّدت الملايين. الرسالة الموجهة إلى الولايات المتحدة ومجلس الأمن والمجتمع الدولي واضحة: العقوبات يجب ألا تقتصر على القادة الميدانيين، بل تمتد إلى الشركات والوسطاء الذين يحوّلون التخليص الجمركي إلى خط إمداد للحرب. بدون قطع هذه الخطوط، يبقى الحياد المعلن غطاءً لاستمرار القتال.

اقرأ ايضا

بريطانيا من مجلس الأمن: على قادة وممولي ومؤججي حرب السودان اختيار السلام

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى