الأخبار

من «الزلزال السياسي» إلى إعفاء مديحة خيير.. الفصل 47 يعيد ملف المسؤولية الوزارية إلى الواجهة في المغرب

محطات دستورية وسياسية امتدت من انسحاب وزراء الاستقلال عام 2013 إلى التغييرات الحكومية في 2026، تكشف تعدد أسباب إنهاء المهام الوزارية وتداخل صلاحيات الملك ورئيس الحكومة في تدبير السلطة التنفيذية

الرباط | برق السودان

أعاد إنهاء مهام الوزيرة المنتدبة مديحة خيير، في المغرب تسليط الضوء على الفصل 47 من دستور المملكة لسنة 2011، باعتباره الإطار الدستوري المنظم لتعيين أعضاء الحكومة وإنهاء مهامهم، في ظل نقاش متجدد حول العلاقة بين المسؤولية السياسية والمحاسبة واستمرارية العمل الحكومي.

ويأتي هذا التطور ضمن سلسلة من القرارات التي شهدتها الحكومات المغربية خلال أكثر من عقد، وتنوعت أسبابها بين الاستقالات الفردية والجماعية، وإعادة ترتيب التشكيلات الحكومية، والتعامل مع اختلالات إدارية أو تعثر مشاريع تنموية، وصولاً إلى اعتبارات مرتبطة بالتنسيق السياسي ومتطلبات المرحلة.

ويحدد الفصل 47 ثلاثة مسارات لإنهاء مهام أعضاء الحكومة؛ أولها مبادرة الملك بعد استشارة رئيس الحكومة، وثانيها طلب يرفعه رئيس الحكومة إلى الملك لإعفاء عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة، فيما يرتبط المسار الثالث بالاستقالات الفردية أو الجماعية التي يقدمها الوزراء.

وتبرز أهمية هذه المقتضيات في كونها توفر إطاراً قانونياً للتعامل مع التغييرات التي تطرأ على الجهاز التنفيذي، مع الحفاظ على استمرارية المؤسسات وتحديد الاختصاصات الدستورية للأطراف المعنية.

وفي حالة مديحة خيير، أعاد قرار إنهاء المهام النقاش بشأن طبيعة المسطرة المعتمدة وحدودها السياسية، خصوصاً أن الإعفاء الوزاري لا يرتبط بالضرورة بثبوت تقصير أو مسؤولية إدارية، بل قد يحدث لأسباب متعددة تختلف باختلاف السياق والظروف المحيطة بكل حالة.

من انسحاب وزراء الاستقلال إلى «الزلزال السياسي».. محطات بارزة في تطبيق الفصل 47

شهد عام 2013 إحدى أبرز المحطات المرتبطة بتفعيل الفصل 47، عقب انسحاب وزراء حزب الاستقلال من حكومة عبد الإله بنكيران، في سياق خلافات سياسية داخل التحالف الحكومي آنذاك.

وقد فرض هذا التطور إعادة ترتيب مكونات الأغلبية وإجراء تعديل حكومي، ما أبرز دور المقتضيات الدستورية في معالجة التحولات السياسية التي تؤثر على تركيبة الجهاز التنفيذي.

وفي عام 2015، برزت حالة وزير الشباب والرياضة السابق محمد أوزين، الذي أُعفي من مهامه على خلفية الاختلالات التي شهدها المركب الرياضي الأمير مولاي عبد الله بالرباط، خلال تنظيم مباريات كأس العالم للأندية، في الواقعة التي اشتهرت إعلامياً باسم «فضيحة الكراطة».

وجاء القرار بعد تحقيقات وتقارير تناولت أوجه القصور في تجهيز أرضية الملعب وتدبير الأشغال المرتبطة به، لتصبح القضية إحدى الحالات البارزة التي ارتبط فيها إنهاء المهام الوزارية بمساءلة الأداء الإداري وتدبير المرافق العمومية.

مواد ذات صلة

الملك محمد السادس يدعو إلى أداء حكومي جاد ومسؤول خلال استقبال فاطمة الزهراء المنصوري

وشهد العام نفسه استقالات وتغييرات وزارية أخرى ارتبطت بظروف سياسية وشخصية مختلفة، ما عكس تنوع السياقات التي يمكن أن تؤدي إلى مغادرة أعضاء الحكومة لمناصبهم.

أما عام 2017، فقد شكل محطة لافتة في تاريخ الإعفاءات الحكومية بالمغرب، عندما أصدر الملك محمد السادس قرارات بإعفاء عدد من الوزراء والمسؤولين على خلفية تقارير تناولت تعثر تنفيذ مشاريع تنموية، خصوصاً في منطقة الحسيمة.

وأُطلق على تلك القرارات في الخطاب الإعلامي والسياسي وصف «الزلزال السياسي»، بالنظر إلى طبيعة المسؤوليات التي شملتها وحجم النقاش الذي أثارته بشأن الرقابة على تنفيذ المشاريع العمومية.

وقد أعادت تلك التطورات إلى الواجهة مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وأبرزت أهمية التقارير الرقابية والتقييم المؤسساتي في تحديد المسؤوليات المرتبطة بتنفيذ البرامج الحكومية.

وفي عام 2018، شهدت الحكومة المغربية إعفاء وزير الاقتصاد والمالية محمد بوسعيد، في قرار أثار نقاشاً حول الأداء الحكومي والعلاقة بين التقييم السياسي للوزراء والصلاحيات الدستورية المتعلقة بإنهاء مهامهم.

ومع اختلاف الملابسات بين هذه الحالات، فإن القاسم المشترك بينها يتمثل في استخدام الآليات الدستورية لتدبير التغييرات داخل الحكومة، سواء ارتبطت بخلافات سياسية أو بتقييم الأداء أو بقرارات إعادة تشكيل الجهاز التنفيذي.

من حكومة أخنوش إلى إعفاء خيير.. تعدد الدوافع واستمرارية المسطرة الدستورية

مع تشكيل حكومة عزيز أخنوش في أكتوبر 2021، شهد المغرب واحدة من أسرع حالات مغادرة المنصب الوزاري بعد التعيين، عندما انتهت مهام نبيلة الرميلي وزيرةً للصحة والحماية الاجتماعية بعد أيام قليلة من تعيينها.

وجاءت مغادرتها المنصب في سياق رغبتها في التفرغ لمهامها على رأس مجلس مدينة الدار البيضاء، ليُعاد تعيين خالد آيت الطالب وزيراً للصحة والحماية الاجتماعية.

وأظهرت هذه الحالة أن إنهاء المهام الوزارية لا يشترط بالضرورة وجود إخفاق في تدبير قطاع حكومي أو خلاف سياسي، إذ يمكن أن يرتبط باختيار المسؤول التفرغ لمهام أخرى أو بتسوية وضعية تتعلق بتعدد المسؤوليات.

واستمر اعتماد المقتضيات الدستورية المنظمة للتعيين والإعفاء في التعديلات الحكومية اللاحقة، حيث شملت التغييرات إعادة توزيع الحقائب الوزارية، وتعيين وزراء منتدبين وكتاب دولة، وإدخال تعديلات على تركيبة الجهاز التنفيذي وفق الأولويات الحكومية المعلنة.

وفي هذا السياق، يندرج إنهاء مهام الوزيرة المنتدبة مديحة خيير، ضمن مسار دستوري شهد تطبيقات متعددة منذ دخول دستور 2011 حيز التنفيذ.

غير أن تحديد الدوافع السياسية أو الإدارية الدقيقة لهذا القرار يظل مرتبطاً بما يصدر عن الجهات الرسمية من توضيحات، ولا يمكن اعتبار الإعفاء في حد ذاته دليلاً على وجود تقصير أو خلاف داخل الأغلبية الحكومية.

ويكشف استعراض الحالات السابقة عن ضرورة التمييز بين ثلاثة مستويات مختلفة؛ أولها المسطرة الدستورية التي تحدد الجهة المخولة باتخاذ القرار، وثانيها الأسباب السياسية أو الإدارية التي قد تدفع إلى الإعفاء، وثالثها الآثار المترتبة على القرار بالنسبة إلى استمرارية الحكومة وتوازناتها الداخلية.

توازن الصلاحيات بين الملك ورئيس الحكومة

تُظهر التجربة المغربية أن الفصل 47 يؤدي دوراً أساسياً في تنظيم العلاقة الدستورية بين الملك ورئيس الحكومة عند إجراء التغييرات الوزارية.

فالملك يمارس اختصاصاته في تعيين أعضاء الحكومة وإنهاء مهامهم وفق الشروط التي يحددها الدستور، بينما يتمتع رئيس الحكومة بصلاحية طلب إعفاء عضو أو أكثر من أعضاء الجهاز التنفيذي.

وتبرز هذه العلاقة في الحالات التي يتقدم فيها رئيس الحكومة بطلب الإعفاء، وكذلك في القرارات التي تأتي بمبادرة ملكية بعد استشارته، بما يجعل المسطرة الدستورية قائمة على اختصاصات محددة لكل مؤسسة.

وفي المقابل، فإن الاستقالات الفردية والجماعية تمثل مساراً آخر لمعالجة التغييرات الحكومية، سواء ارتبطت بانسحاب أحزاب من الأغلبية أو بقرارات شخصية يتخذها الوزراء المعنيون.

ومن خلال التجارب المسجلة بين عامي 2013 و2026، يتضح أن الأسباب التي تقف وراء إنهاء المهام الوزارية ليست واحدة، وأن تطبيق الفصل 47 لا يعني بالضرورة صدور حكم سياسي أو إداري موحد بشأن جميع الحالات.

المحاسبة السياسية لا تعني بالضرورة ثبوت التقصير

يطرح تكرار حالات الإعفاء الوزاري سؤالاً يتعلق بالعلاقة بين إنهاء المهام ومبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، الذي يحتل مكانة مهمة في المنظومة الدستورية المغربية.

ففي بعض الحالات، ارتبطت القرارات بتقارير رقابية أو اختلالات موثقة في تدبير مشاريع ومرافق عمومية، بينما جاءت حالات أخرى نتيجة استقالات أو تغييرات في التوازنات السياسية أو إعادة ترتيب المسؤوليات الحكومية.

ويقتضي هذا التباين عدم الخلط بين الإعفاء بوصفه إجراءً دستورياً وبين المحاسبة المرتبطة بثبوت مسؤولية إدارية أو سياسية محددة. كما أن تقييم أثر هذه القرارات على الأداء الحكومي يتطلب النظر إلى نتائجها الفعلية، ومدى مساهمتها في معالجة الاختلالات أو تحسين تنفيذ السياسات العمومية، بدلاً من الاكتفاء باعتبار التغيير الوزاري مؤشراً قائماً بذاته على النجاح أو الإخفاق.

وفي ضوء ذلك، تعيد حالة مديحة خيير، الاهتمام إلى أهمية التواصل المؤسساتي الواضح عند اتخاذ قرارات إنهاء المهام، بما يتيح للرأي العام التمييز بين الأساس الدستوري للقرار ودوافعه السياسية أو الإدارية.

وتؤكد التجربة الممتدة منذ عام 2013 أن الفصل 47 أصبح أحد الأطر الدستورية الأساسية لتدبير التحولات الحكومية في المغرب، مع اختلاف السياقات التي أدت إلى تفعيله.

وبين حالات الإعفاء المرتبطة بالتقارير الرقابية، والاستقالات الناتجة عن اعتبارات سياسية أو شخصية، والتعديلات التي تستهدف إعادة تنظيم العمل التنفيذي، يبقى احترام المسطرة الدستورية واستمرارية المؤسسات عنصرين مشتركين في مختلف هذه المحطات.

وفي انتظار استكمال التوضيحات الرسمية بشأن إنهاء مهام مديحة خيير، يظل النقاش الأوسع مرتبطاً بمدى وضوح أسباب التغييرات الحكومية، وكيفية تقييم نتائجها، وقدرة المؤسسات على ضمان استمرارية العمل التنفيذي مع إخضاع المسؤوليات العامة للمساءلة وفق الضوابط الدستورية والقانونية.

اقرأ ايضا

صدامات قوية في دوري الأبطال اليوم.. قمة باريس سان جيرمان وبرشلونة تشعل الجولة الثالثة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى