الإقتصاد

الغلاء يطحن السودانيين.. انهيار الجنيه واحتكار الواردات يفاقمان الأزمة الاقتصادية

الأسواق تفقد استقرارها والأسعار تتغير من ساعة إلى أخرى

الخرطوم | برق السودان

تشهد الأسواق السودانية موجة غير مسبوقة من الارتفاعات المتسارعة في الأسعار، في ظل استمرار تراجع قيمة الجنيه السوداني، وتعطل قطاعات الإنتاج، وتزايد الضغوط على سلاسل الإمداد، ما أدى إلى اتساع رقعة الأزمة المعيشية لتشمل مختلف الولايات. وبات المواطن يواجه واقعاً اقتصادياً بالغ الصعوبة، مع ارتفاع تكاليف الغذاء والوقود والمواصلات والخدمات، وسط غياب مؤشرات على استقرار قريب للأسعار.

ويأتي هذا التطور في وقت تتواصل فيه الحرب للعام الرابع، بينما تتراجع الإيرادات العامة، وتتقلص الأنشطة الاقتصادية، وتتزايد معدلات التضخم، في مشهد يراه خبراء الاقتصاد نتيجة مباشرة لاختلالات هيكلية عميقة تراكمت على مدى سنوات، وفاقمتها ظروف الصراع الحالية.

الأسواق تفقد استقرارها والأسعار تتغير من ساعة إلى أخرى

لم يعد الغلاء في السودان مرتبطاً بمواسم أو مناسبات استثنائية، بل تحول إلى ظاهرة يومية تعيد تشكيل سلوك المستهلكين والتجار على حد سواء. فمع استمرار انخفاض قيمة الجنيه السوداني، وارتفاع تكاليف النقل والاستيراد، باتت أسعار السلع تتغير بصورة متسارعة، حتى داخل اليوم الواحد.

ووفقاً لما نقلته مصادر برق السودان عن تجار في أسواق الخرطوم، فإن الزيادات اليومية في أسعار الوقود انعكست مباشرة على تكلفة نقل البضائع، كما أدى نقص مدخلات الإنتاج واعتماد المصانع على مصادر طاقة بديلة إلى زيادة تكاليف التشغيل، بينما ساهمت الرسوم المحلية والضرائب في إغلاق عدد من المحال التجارية.

وقال التاجر محمد إسحاق، إن الأسعار أصبحت غير مستقرة حتى خلال ساعات اليوم الواحد، الأمر الذي دفع بعض التجار إلى تعليق عمليات البيع، لعدم قدرتهم على تحديد أسعار ثابتة أو توقع اتجاه السوق.

وتشير هذه الوقائع إلى حالة من الارتباك الاقتصادي انعكست على مختلف حلقات النشاط التجاري، وأضعفت قدرة الأسواق على أداء دورها الطبيعي في توفير السلع واستقرار الأسعار.

تراجع الجنيه يضاعف تكلفة المعيشة ويقود موجة تضخم جديدة

يُعد تراجع قيمة الجنيه السوداني أحد أبرز المحركات الحالية لارتفاع الأسعار، إذ يعتمد السودان بصورة كبيرة على الواردات لتوفير الوقود والقمح والدواء ومدخلات الإنتاج والسلع الأساسية.

ومع كل انخفاض جديد في سعر صرف العملة المحلية، ترتفع تكلفة الاستيراد، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع داخل الأسواق، خاصة في ظل محدودية الاحتياطات من النقد الأجنبي، وصعوبة الوصول إلى التمويل الخارجي، وتعطل جزء كبير من النشاط الاقتصادي بسبب الحرب.

ويرى عدد من الاقتصاديين أن استمرار تدهور العملة يؤدي إلى حلقة تضخمية متواصلة، حيث ترتفع الأسعار فتتراجع القوة الشرائية، ثم تتزايد الضغوط على سعر الصرف مرة أخرى، ما يعمق الأزمة الاقتصادية ويقلل من قدرة المواطنين على تلبية احتياجاتهم الأساسية.

احتكار الواردات ومشتقات البترول… اتهامات متداولة وتحليلات للمراقبين

يرى مراقبون أن أحد العوامل التي ساهمت في اختلال الأسواق خلال السنوات الماضية يتمثل في هيمنة شركات مرتبطة بالنظام السابق على قطاعات استراتيجية، من بينها تجارة واستيراد المشتقات البترولية وبعض السلع الأساسية.

ولا توجد في الوقت الراهن أحكام قضائية أو بيانات رسمية حديثة تثبت استمرار هذا الاحتكار بالشكل الذي يُتداول في الخطاب السياسي والإعلامي، إلا أن عدداً من الباحثين الاقتصاديين يعتبرون أن استمرار النفوذ الاقتصادي لشبكات تجارية محددة، وضعف المنافسة، وغياب الإصلاحات الهيكلية، كلها عوامل قد تؤدي إلى تقليص المنافسة ورفع تكلفة السلع على المستهلك.

ويؤكد محللون أن إعادة تنظيم أسواق الوقود والاستيراد، وتعزيز الشفافية، وتوسيع قاعدة المنافسة، تعد من بين الخطوات التي يمكن أن تسهم في خفض التكاليف وتحسين كفاءة الأسواق، إلا أن تنفيذ مثل هذه الإصلاحات يظل مرتبطاً باستقرار الأوضاع الأمنية والسياسية.

الحرب تعمق الانهيار الاقتصادي وتزيد الضغوط على المواطنين

أدت الحرب إلى توقف آلاف المنشآت الصناعية والتجارية، وتعطل شبكات النقل والإمداد، وخروج مساحات واسعة من النشاط الزراعي والإنتاجي عن الخدمة، الأمر الذي تسبب في انخفاض المعروض من السلع وارتفاع تكاليف الإنتاج والتوزيع.

كما تسببت الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للكهرباء والمياه والطرق في زيادة الأعباء على القطاع الخاص، في وقت تواجه فيه الشركات والمصانع رسوماً وضرائب مرتفعة، إلى جانب تحديات الحصول على الوقود والتمويل والعمالة.

وأصبح كثير من المواطنين يعتمدون على تقليل الاستهلاك أو الاستغناء عن بعض الاحتياجات الأساسية للتكيف مع موجات الغلاء، بينما أغلقت أعداد من التجار محالهم نتيجة ضعف المبيعات وارتفاع تكاليف التشغيل.

سيناريوهات المرحلة المقبلة

تشير المعطيات الحالية إلى أن الأزمة الاقتصادية مرشحة للاستمرار إذا بقيت الحرب وتعطلت حركة الإنتاج والاستثمار، مع احتمال استمرار الضغوط على سعر صرف الجنيه وارتفاع معدلات التضخم.

وفي المقابل، يرى اقتصاديون أن أي تحسن في الأوضاع الأمنية، وإعادة تشغيل المصانع والمشروعات الزراعية، وإصلاح سياسات النقد الأجنبي، وتعزيز المنافسة في أسواق الاستيراد والوقود، يمكن أن يسهم تدريجياً في استعادة الاستقرار الاقتصادي والحد من وتيرة ارتفاع الأسعار.

وبين هذه السيناريوهات، يبقى المواطن السوداني الحلقة الأكثر تضرراً، إذ يواجه يومياً معادلة معقدة تجمع بين انخفاض الدخل، وارتفاع الأسعار، وتراجع فرص العمل، في واحدة من أصعب الأزمات الاقتصادية التي شهدتها البلاد خلال العقود الأخيرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى