تحقيق استقصائي | برق السودان
في الوقت الذي تتزايد فيه التساؤلات داخل السودان بشأن مصير عدد من الموارد الزراعية الإستراتيجية، وعلى رأسها القطن، تبرز معلومات من مصادر مطلعة تشير إلى وجود مسارات غير معلنة لنقل خام القطن السوداني إلى مصر عبر معبر أرقين الحدودي، مستفيدة من ضعف الرقابة الحدودية والظروف التي فرضتها الحرب.
التحقيق الذي أجرته «برق السودان» يستند إلى إفادات من مصادر مطلعة، إلى جانب مراجعة واقع الحركة التجارية عبر الحدود، وسياق تنامي ظاهرة التهريب التي طالت عدداً من السلع السودانية خلال السنوات الأخيرة.
معبر أرقين.. شريان تجاري تحول إلى نقطة عبور حساسة
أصبح معبر أرقين، الواقع في الولاية الشمالية على الحدود السودانية المصرية، أحد أهم المنافذ البرية للتبادل التجاري بين البلدين، خاصة بعد تعطل عدد من الطرق والمعابر الأخرى نتيجة الحرب الدائرة في السودان.
ويشهد المعبر حركة كثيفة للشاحنات والحافلات التجارية بصورة شبه يومية، في وقت تشير فيه تقارير ميدانية إلى تحديات متزايدة تواجه سلطات الرقابة والجمارك، من بينها الازدحام، وضعف الإمكانات، وظهور أنماط جديدة لنقل البضائع.
وبحسب مصدر مطلع تحدث لـ«برق السودان»، فإن بعض الشحنات المعلنة رسمياً على أنها محملة بالسمسم أو محاصيل زراعية أخرى، تخفي داخلها كميات من خام القطن السوداني، يتم تمريرها إلى الجانب المصري دون أن تظهر بصورة مستقلة في الوثائق التجارية.
ويقول المصدر إن هذه العمليات تمنح الصناعات المصرية إمكانية الاستفادة من الخام السوداني وإدخاله في عمليات التصنيع والتصدير ضمن منتجات تحمل منشأً مختلفاً، الأمر الذي يحرم السودان من القيمة المضافة المرتبطة بصناعته الوطنية.
القطن السوداني.. ثروة إستراتيجية في قلب الأزمة
يمثل القطن السوداني أحد أهم المحاصيل النقدية التي اشتهر بها السودان لعقود طويلة، خصوصاً الأصناف طويلة التيلة التي تتمتع بسمعة عالمية في صناعة المنسوجات الفاخرة.
لكن الحرب التي اندلعت في البلاد أدت إلى تراجع الرقابة على عدد من المناطق الزراعية ومسارات النقل، بالتزامن مع ارتفاع معدلات التهريب، وهو ما أثار مخاوف واسعة بشأن فقدان البلاد جزءاً من مواردها الإستراتيجية بعيداً عن القنوات الرسمية.
ويرى مختصون أن تهريب الخام الزراعي لا يقتصر أثره على خسارة الإيرادات الجمركية، بل يمتد إلى حرمان الاقتصاد السوداني من الصناعات التحويلية وفرص التشغيل والعائدات المرتبطة بالتصنيع المحلي والتصدير.
كما يحذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار تصدير المواد الخام بصورة غير نظامية يضعف القدرة التنافسية للمنتجات السودانية مستقبلاً، ويؤدي إلى انتقال القيمة الاقتصادية إلى دول أخرى تقوم بالتصنيع وإعادة التصدير.
ولا تقتصر المخاوف على القطن وحده، إذ سبق أن تحدثت تقارير متعددة عن تهريب الصمغ العربي والماشية والذهب عبر الحدود السودانية إلى دول الجوار، مستفيدة من هشاشة الأوضاع الأمنية واتساع الرقعة الحدودية.
وفي السياق نفسه، يشير المصدر إلى وجود منتجات تُطرح في الأسواق الخارجية باعتبارها ذات منشأ مصري رغم ارتباطها بمواد خام سودانية، مستشهداً بثمار التبلدي (الباوباب) كمثال على ما يراه نمطاً يستوجب مزيداً من التحقيق والتوثيق.
ويؤكد خبراء في التجارة الدولية أن إثبات منشأ أي منتج يخضع لقواعد واتفاقيات دولية معقدة تعتمد على نسب التحويل الصناعي والقيمة المضافة، وليس فقط على مصدر المادة الخام.
وفي ظل استمرار الحرب وتراجع الرقابة على الحدود، تبدو الحاجة ملحة أمام السلطات السودانية لإجراء مراجعة شاملة لحركة الصادرات عبر المنافذ البرية، وتشديد الرقابة على السلع الإستراتيجية، بما يضمن حماية الموارد الوطنية ومنع استنزافها بطرق غير مشروعة.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تعكس البيانات الرسمية الحجم الحقيقي لحركة الموارد الزراعية السودانية عبر الحدود، أم أن جزءاً منها يمر خارج السجلات الرسمية؟ سؤال قد لا تجيب عنه إلا تحقيقات رسمية أكثر شفافية، مدعومة ببيانات جمركية ورقابية دقيقة.
اقرأ أيضا
قرقاش: لا منتصر في الحرب السودانية.. والانتقال المدني بات أقرب من أي وقت مضى




