الأخبارتقارير

من الخصومة إلى غرفة العمليات.. السودان يكشف تقارباً صامتاً بين مصر وتركيا لدعم الجيش

تقاطع المصالح يتجاوز الخلافات.. طائرات مسيّرة تركية وقواعد مصرية ترسم ملامح حرب إقليمية داخل السودان

بورتسودان | برق السودان

في تطور لافت يعكس تحولات عميقة في مسار الحرب، تكشف معطيات ميدانية وتقارير دولية عن تشكّل تقارب غير معلن بين مصر وتركيا داخل الساحة السودانية، في نموذج جديد من التفاهمات الإقليمية التي تتجاوز الخلافات التاريخية لصالح حسابات النفوذ والمصالح.

وبحسب تحقيق صادر عن European Centre for Strategic Studies and Policy، فإن السودان لم يعد مجرد ساحة صراع داخلي، بل تحوّل إلى نقطة التقاء بين قوتين إقليميتين كانتا على خلاف حاد خلال العقد الماضي، حيث يجري توظيف الجغرافيا والتكنولوجيا العسكرية لإعادة تشكيل ميزان القوى.

قاعدة مصرية.. وتكنولوجيا تركية

تشير التقارير إلى أن قاعدة شرق العوينات الجوية جنوب مصر، القريبة من الحدود السودانية، أصبحت منصة عمليات لطائرات مسيّرة تركية متقدمة، أبرزها طائرات “أقنجي” الثقيلة.

ووفقاَ لتحقيق نشرته وكالة Reuters في فبراير 2026، فإن هذه الطائرات قادرة على التحليق لأكثر من 24 ساعة وتنفيذ ضربات دقيقة بعيدة المدى، ما يمنحها قدرة على التأثير العميق في مجريات العمليات داخل السودان.

طائرات بيرقدار أقنجي المسيّرة متمركزة في قاعدة شرق العوينات
طائرات «بيرقدار أقنجي» المسيّرة متمركزة في قاعدة شرق العوينات جنوب مصر بالقرب من الحدود السودانية

وتكشف هذه المعطيات عن نموذج عملياتي قائم على توزيع الأدوار:

تركيا توفر التكنولوجيا، ومصر تقدم الموقع الاستراتيجي، بينما تمثل السودان ساحة التنفيذ الفعلي.

تحول من التطبيع إلى التنسيق العسكري

هذا التقارب لم يأتِ من فراغ، بل جاء بعد سنوات من التوتر بين البلدين، قبل أن تشهد العلاقات انفراجة ملحوظة تُوجت بزيارات متبادلة بين الرئيسين رجب طيب أردوغان، وعبد الفتاح السيسي في 2024.

مسار طائرة شحن من طراز بوينغ B737-8F2 تابعة لشركة “إير ماستر”
تُظهر بيانات تتبع الرحلات الجوية مسار طائرة شحن من طراز بوينغ B737-8F2 تابعة لشركة “إير ماستر”، نفذت رحلات متكررة من مطار القاهرة الدولي إلى بورتسودان، يُعتقد أنها نقلت معدات وإمدادات عسكرية للجيش السوداني

غير أن التطبيع السياسي سرعان ما تطور إلى مستويات أعمق، حيث أفادت Reuters بأن أنقرة وافقت على تزويد القاهرة بطائرات مسيّرة، في خطوة تعكس انتقال العلاقة من التهدئة إلى التعاون العسكري غير المعلن.

وفي هذا السياق، نقلت صحيفة The New York Times أن ضربات بطائرات مسيّرة انطلقت من قاعدة مصرية داخل السودان استمرت لأشهر، ما يشير إلى تحول نوعي في طبيعة الحرب.

صفقات سلاح مقابل نفوذ اقتصادي

لا يقتصر هذا التقارب على الجانب العسكري، إذ تكشف تقارير عن شبكة مصالح اقتصادية موازية.

فبحسب تحقيق نشرته The Washington Post، فإن شركة Baykar زودت الجيش السوداني بطائرات “بيرقدار TB2” وذخائر وتدريب بقيمة تتجاوز 120 مليون دولار.

في المقابل، عرضت السودان فرص استثمار لتركيا في قطاعات استراتيجية، تشمل التعدين (الذهب والنحاس) ومشاريع تطوير موانئ على البحر الأحمر، ما يعكس نشوء ما يمكن وصفه بـ“اقتصاد النفوذ”.

السودان كساحة اختبار إقليمي

تضع هذه التطورات السودان في قلب صراع أوسع على النفوذ في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، حيث تتقاطع الحسابات الأمنية والاقتصادية.

فـ بالنسبة لمصر، يمثل استقرار السودان امتداداً مباشراً لأمنها القومي، في ظل ملفات حساسة مثل الحدود الجنوبية ومياه النيل.

أما تركيا، فترى في السودان بوابة لتعزيز حضورها البحري والاقتصادي في واحدة من أهم الممرات العالمية.

مخاطر انتشار التكنولوجيا العسكرية

لكن هذا التقارب يحمل في طياته مخاطر متزايدة، خاصة في ظل بيئة صراع معقدة ومجزأة.

تشير تقديرات وتحليلات دولية إلى وجود تشكيلات مسلحة موازية داخل السودان، من بينها «كتيبة البراء بن مالك»، التي خضعت لعقوبات أمريكية بسبب ارتباطات مثيرة للجدل.

وفي مثل هذه البيئة، لا تبقى التكنولوجيا العسكرية حكراً على الجيوش النظامية، بل قد تنتقل الخبرات والقدرات إلى أطراف أخرى، ما يهدد بتوسيع نطاق العنف وتعقيد المشهد الأمني في السودان والمنطقة.

ما يجري في السودان اليوم يتجاوز حدود الحرب الداخلية، ليعكس نموذجًا جديدًا للعلاقات الدولية، حيث تحل المصالح محل التحالفات التقليدية، ويصبح الخصوم شركاء ظرفيين داخل ساحات الصراع.

السودان، بهذا المعنى، لم يعد مجرد ساحة حرب، بل تحوّل إلى مختبر لإعادة تشكيل توازنات القوى الإقليمية، في مشهد مرشح لترك تداعياته على المنطقة لسنوات طويلة.

إقرأ أيضاً:

مصر تمنح مطارًا عسكرياً لانطلاق مسيّرات تركية نحو دارفور

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى