الرياضة

60 مليون يورو تهدد برشلونة.. ماذا تخفي أرقام النادي القياسية؟

إيرادات تتجاوز المليار لا تعني انتهاء الأزمة.. اتفاق «يويفا» يضع برشلونة أمام اختبار مالي قد يفعّل 45 مليون يورو إضافية من العقوبات

برشلونة | برق السودان

يبدو المشهد المالي لنادي برشلونة متناقضاً للوهلة الأولى: إيرادات تشغيلية ضخمة، نشاط تجاري متنامٍ، وعودة تدريجية لملعب «سبوتيفاي كامب نو»، وفي المقابل يستمر شبح اتفاق مالي مع الاتحاد الأوروبي لكرة القدم «يويفا» قد تصل عقوباته الإجمالية إلى 60 مليون يورو.

لكن الرقم الكبير لا يمثل عقوبة جديدة فُرضت فجأة على النادي الكتالوني.

فالقصة تعود إلى يوليو 2025، عندما توصل برشلونة إلى اتفاق تسوية لمدة عامين مع هيئة الرقابة المالية على الأندية التابعة لـ«يويفا»، بعدما خلصت الهيئة إلى أن النادي لم يمتثل لقاعدة أرباح كرة القدم ضمن لوائح ترخيص الأندية والاستدامة المالية.

إيرادات تتجاوز المليار لا تعني انتهاء الأزمة.. اتفاق «يويفا» يضع برشلونة أمام اختبار مالي قد يفعّل 45 مليون يورو إضافية من العقوبات

وبموجب الاتفاق، بلغت القيمة الإجمالية للعقوبة المحتملة 60 مليون يورو، منها 15 مليون يورو غير مشروطة التزم برشلونة بدفعها، بينما بقيت 45 مليون يورو مرتبطة بتحقيق النادي أهدافاً مالية محددة خلال مدة التسوية.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: برشلونة لا يحاول الآن تجنب غرامة جديدة، بل يسعى إلى منع تفعيل الجزء المشروط من عقوبة قائمة بالفعل.

15 مليوناً مؤكدة و45 مليوناً تحت الاختبار

أعلن «يويفا» في 4 يوليو 2025 أن برشلونة خالف «قاعدة أرباح كرة القدم»، بعدما تجاوز العجز المجمع للنادي الانحراف المقبول بموجب اللوائح خلال فترة التقييم المتعلقة بالسنتين الماليتين المنتهيتين في 2023 و2024.

وجاءت المخالفة بعد تعديلات أجراها «يويفا» على النتائج المالية للنادي، مع اهتمام خاص بكيفية احتساب بعض المعاملات المتعلقة ببيع الأصول غير الملموسة.

وانتهت القضية باتفاق تسوية يمتد لعامين ويغطي الفترتين الماليتين المنتهيتين في 2025 و2026 والموسمين الرياضيين 2025/26 و2026/27.

وحدد الاتفاق إجمالي العقوبة المحتملة عند 60 مليون يورو، بينها 15 مليوناً واجبة الدفع بصورة غير مشروطة.

وبالفعل، أدرج برشلونة مبلغ الـ15 مليون يورو في حساباته للسنة المالية المنتهية في يونيو 2025.

أما الـ45 مليوناً المتبقية، فترتبط بشروط وأهداف الاتفاق.

وبحسب قراءة الصحفي فيكتور مالو للاتفاق والوضع المالي الحالي، تنقسم المخاطر المالية المتبقية إلى شريحتين تصل قيمة كل منهما إلى 22.5 مليون يورو، وترتبطان بمدى تحقيق النادي للأهداف المرحلية والنهائية المحددة في التسوية.

لكن العقوبة المالية ليست الخطر الوحيد.

فاتفاقيات التسوية التي أعلنها «يويفا» تتضمن أيضاً قيوداً على تسجيل لاعبين جدد في القائمة الأوروبية، ويمكن تشديد الإجراءات الرياضية إذا أخفقت الأندية في تحقيق الأهداف المتفق عليها.

كما أوضح «يويفا» عند إعلان الاتفاقات أن عدم تحقيق الأهداف يمكن أن يؤدي، وفق شروط كل تسوية، إلى تدابير أكثر صرامة، قد تشمل قيوداً إضافية على التسجيل وحتى الاستبعاد من بطولة أوروبية لاحقة يتأهل إليها النادي.

وهذا يجعل المسألة بالنسبة إلى برشلونة أكبر من مجرد دفع عشرات الملايين.

المليار لا يحكي القصة كاملة

في المقابل، تقدم إدارة برشلونة صورة أكثر تفاؤلاً عن الاقتصاد التشغيلي للنادي.

فالنتائج الحالية تشير إلى قدرة برشلونة على تجاوز حاجز المليار يورو من الإيرادات التشغيلية، وهو مستوى تاريخي بالنسبة إلى النادي، خصوصاً إذا تحقق دون الاعتماد على العمليات الاستثنائية التي عُرفت خلال السنوات الماضية باسم «الرافعات الاقتصادية».

لكن تجاوز المليار لا يعني بالضرورة أن برشلونة حقق كل أهدافه المالية.

فالميزانية المعتمدة للموسم 2025/26 كانت تستهدف إيرادات قدرها 1.075 مليار يورو، إلى جانب مصروفات بنحو 1.019 مليار يورو ونتيجة صافية إيجابية متوقعة.

وهنا يظهر الفارق بين العنوان الكبير والقراءة المحاسبية.

يمكن لنادٍ أن يحقق أكثر من مليار يورو من الإيرادات، وفي الوقت نفسه يظل تحت ضغط مالي إذا كانت تكاليفه والتمويل والفوائد والالتزامات الأخرى تستهلك هذه الإيرادات.

وبرشلونة يعرف ذلك جيداً.

ففي السنة المالية السابقة، أعلن النادي أرباحاً عادية قدرها مليونا يورو، لكن النتيجة النهائية بعد الضرائب بلغت خسارة قدرها 17 مليون يورو بعد احتساب عناصر استثنائية مختلفة، بينها غرامة «يويفا» البالغة 15 مليون يورو.

ولذلك فإن الإيرادات وحدها ليست المقياس الذي سيحدد نجاح برشلونة في الخروج من الرقابة الأوروبية.

المعيار الأهم بالنسبة إلى «يويفا» هو ما يسمى Football Earnings، أي النتيجة المحسوبة وفق تعريفات لوائح الاستدامة المالية الأوروبية، والتي لا تتطابق بالضرورة مع الربح أو الخسارة المنشورة في الحسابات التقليدية للنادي.

«إسباي بارسا».. تكلفة العودة إلى كامب نو

يضاف إلى ذلك العبء المالي المرتبط بمشروع «إسباي بارسا»، وفي قلبه إعادة تطوير ملعب كامب نو.

يمثل المشروع استثماراً استراتيجياً يفترض أن يرفع إيرادات النادي مستقبلاً عبر التذاكر والضيافة والمرافق التجارية، لكنه في الوقت نفسه يضيف التزامات تمويلية كبيرة.

ولهذا يصبح توقيت العودة الكاملة للملعب وقدرته على توليد الإيرادات المتوقعة عاملاً مهماً في قدرة برشلونة على تحقيق التوازن المالي خلال السنوات المقبلة.

النادي أعاد بالفعل هيكلة جزء من تمويل المشروع، بما في ذلك إصدار سندات جديدة لتحسين آجال وتكلفة التمويل، لكن الفوائد وخدمة الدين تظل جزءاً من الصورة التي يجب قراءتها إلى جانب الإيرادات القياسية.

حقوق الملكية.. المشكلة التي لا يحلها المليار وحده

هناك أيضاً مؤشر أقل جاذبية من أرقام المبيعات والرعاية، لكنه شديد الأهمية في تقييم صحة النادي المالية: حقوق الملكية الصافية.

قواعد الاستدامة المالية الأوروبية لا تنظر فقط إلى حجم الإيرادات، بل تهدف إلى منع الأندية من تمويل نشاطها عبر تراكم خسائر وديون لا يمكن تحملها.

وتشمل المنظومة الأوروبية ثلاثة محاور رئيسية: الملاءة المالية، والاستقرار، والسيطرة على التكاليف.

وتحدد قاعدة أرباح كرة القدم مستوى العجز المقبول، بينما تضع اللوائح شروطاً أكثر صرامة للاستفادة من الحدود الأعلى للعجز، بينها وضع حقوق الملكية والسيولة والدين المستدام.

لذلك فإن تحقيق برشلونة مليار يورو أو أكثر من الإيرادات يمثل خبراً إيجابياً، لكنه لا يلغي الحاجة إلى إصلاح الميزانية العمومية وتحسين مركز النادي المالي على المدى الطويل.

وتبرز هنا واحدة من أكبر تحديات إدارة جوان لابورتا: الانتقال من نموذج يقوم على زيادة الإيرادات والعمليات الاستثنائية إلى نموذج يستطيع فيه النشاط العادي للنادي تمويل كرة القدم وخدمة الديون والاستثمارات دون استمرار تآكل صافي الأصول.

هل سيدفع برشلونة الـ60 مليوناً كاملة؟

الإجابة حتى الآن: ليس بالضرورة.

برشلونة دفع أو خصص بالفعل الجزء غير المشروط البالغ 15 مليون يورو.

أما الحديث عن 60 مليوناً فيشير إلى الحد الإجمالي للعقوبات المالية الواردة في اتفاق التسوية إذا تحققت شروط تفعيل المبالغ المشروطة.

وكان مجلس إدارة برشلونة قد أعلن في حساباته أنه يتوقع تحقيق جميع الأهداف المتفق عليها، ولذلك لم يرَ حينها ضرورة لتكوين مخصص للعقوبات المشروطة المتبقية.

لكن تقييم «يويفا» لا يعتمد على التفاؤل الإداري أو على تجاوز الإيرادات حاجز المليار، وإنما على الأرقام النهائية بعد تطبيق قواعده وتعديلاته المحاسبية الخاصة.

وهنا تصبح الحسابات الرسمية للسنة المالية الحالية حاسمة.

فإذا أكدت تحسن الأرباح وفق تعريفات «يويفا»، واستقرار حقوق الملكية والالتزام بأهداف التسوية، يستطيع برشلونة تقليص خطر تفعيل العقوبات المشروطة.

أما إذا جاءت النتائج دون المستويات المطلوبة، فقد تتحول عشرات الملايين الموجودة حالياً على الورق إلى تكلفة فعلية.

ولهذا فإن قصة برشلونة المالية لا يمكن اختصارها في سؤال: كم حقق النادي من الإيرادات؟

السؤال الأدق هو: كم بقي من تلك الإيرادات بعد التكاليف والفوائد والالتزامات، وهل تكفي النتيجة التي يعترف بها «يويفا» لإخراج برشلونة نهائياً من دائرة المخالفات؟

الإجابة ستحدد ما إذا كان تجاوز المليار يورو يمثل بالفعل نهاية سنوات الأزمة المالية، أم مجرد رقم قياسي يخفي وراءه اختباراً أخيراً قد يكلف برشلونة عشرات الملايين من اليوروهات ويفرض عليه قيوداً رياضية إضافية.

اقرأ أيضا

ندايشيميي لوفد «تأسيس»: موقف رئيس مفوضية الاتحاد من حوار البرهان لا يعبّر عن إرادة المنظمة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى