حصانة مؤقتة وشطب البلاغات.. البرهان يمنح المشاركين في الحوار السوداني ضمانات بقرار رئاسي
من التعهد الشفهي إلى الضمان المكتوب.. هل يكفي القرار لإقناع الرافضين؟
الخرطوم | برق السودان
انتقلت الضمانات المطلوبة لإنجاح الحوار السوداني–السوداني من مرحلة التعهدات السياسية إلى قرار رسمي، بعدما أصدر رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان القرار رقم 363 لسنة 2026، الذي يقضي بشطب البلاغات الجنائية المتعلقة بالمواقف والآراء السياسية في مواجهة السودانيين المقيمين بالخارج والقادمين إلى البلاد للمشاركة في الحوار، إلى جانب منح المشاركين حصانة إجرائية مؤقتة.
ويأتي القرار استجابة لأحد أبرز المطالب التي طرحتها اللجنة التيسيرية للحوار عند إطلاق مبادرتها، إذ طالبت بتحويل تعهدات البرهان إلى ضمانات مكتوبة وملزمة تكفل سلامة المشاركين، خصوصاً القادمين من الخارج، وتمنع استخدام البلاغات والإجراءات الجنائية المرتبطة بالمواقف السياسية ضدهم.
مواد ذات علاقة
غطاء أفريقي قبل اكتمال الضمانات.. هل تحولت مبادرة حوار البرهان إلى مسار إقليمي؟
وكشف وزير العدل عبد الله درف، خلال مؤتمر صحفي في الخرطوم، تفاصيل القرار، مؤكداً التزام الدولة بتهيئة المناخ الملائم لانطلاق العملية الحوارية وعدم اتخاذ إجراءات جنائية بحق المواطنين بسبب الآراء المرتبطة بالحوار.
ويمثل القرار أول اختبار عملي للضمانات التي طالبت بها اللجنة، لكنه يفتح في الوقت نفسه أسئلة قانونية وسياسية حول نطاق الحصانة، والفئات التي تشملها، وطبيعة البلاغات التي يمكن إسقاطها، والفترة التي ستظل خلالها هذه الحماية سارية.
القرار 363.. من تشملهم الحصانة وما البلاغات التي ستُشطب؟
بحسب التفاصيل التي أعلنها وزير العدل، أمر القرار بشطب جميع البلاغات المقيدة بواسطة أي جهاز من أجهزة الدولة في مواجهة أي سوداني مقيم بالخارج دخل السودان أو سيدخله بغرض الانخراط في الحوار السوداني–السوداني، متى كانت تلك البلاغات مرتبطة بفعل أو قول صدر عنه باعتباره رأياً سياسياً.
كما نص القرار على إسقاط التهم محل البلاغات التي تنطبق عليها هذه الشروط.
ويعني ذلك أن نطاق القرار، وفق النص المعلن، لا يتعلق بمجرد تجميد الإجراءات طوال فترة الحوار، بل يشمل أيضاً شطب البلاغات وإسقاط التهم المشمولة بالقرار.
وفي جانب آخر، يوفر القرار للمشاركين حصانة إجرائية مؤقتة، بحيث لا يجوز تحريك إجراءات جنائية في مواجهتهم منذ تاريخ دخولهم البلاد وحتى انتهاء الحوار بفترة إضافية يحددها مجلس السيادة الانتقالي.
وتحمل عبارة «بوقت كاف يحدده مجلس السيادة» أهمية خاصة، لأنها تعني أن انتهاء جلسات الحوار لن يؤدي تلقائياً إلى انتهاء الحماية في اللحظة نفسها، وإنما يفترض وجود فترة لاحقة قبل زوال الحصانة المؤقتة.
كما توسع القرار في حماية الآراء التي تصدر أثناء العملية نفسها، إذ يمنع تحريك إجراءات جنائية ضد أي شخص بسبب رأي أدلى به خلال الحوار إذا كان متصلاً به بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أو متعلقاً بالموضوعات المطروحة أو التي يُعتقد أنها ستطرح للنقاش.
وبذلك يسعى القرار إلى توفير مستويين من الحماية: الأول يتعلق ببلاغات سابقة مرتبطة بالمواقف السياسية بالنسبة إلى الفئات المشمولة، والثاني يتعلق بالآراء التي سيعبر عنها المشاركون خلال الحوار.
لكن الحصانة المعلنة ليست حصانة جنائية عامة من جميع الأفعال أو الاتهامات؛ فوفق التفاصيل المنشورة، ترتبط الحماية بالآراء والمواقف السياسية والحوار وشروط القرار، وهو تمييز مهم عند تفسير نطاقه القانوني.
وألزم القرار الجهات العدلية والشرطية والأمنية وغيرها من المؤسسات ذات الصلة باتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذه.
من التعهد الشفهي إلى الضمان المكتوب.. هل يكفي القرار لإقناع الرافضين؟
يحمل توقيت القرار أهمية سياسية خاصة، لأنه يأتي بعد أيام من إطلاق اللجنة التيسيرية لمبادرتها رسمياً ومطالبتها بضمانات مكتوبة لحماية المشاركين.
وكانت اللجنة قد وضعت سلامة القادمين من الخارج ووقف البلاغات المتعلقة بالمشاركة السياسية ومنع تدخل أجهزة الدولة ضمن الشروط الضرورية لتهيئة المناخ للحوار.
وبصدور القرار 363، تكون السلطة قد استجابت لأحد أكثر تلك المطالب حساسية، وهو ما ينقل النقاش من سؤال «هل ستصدر ضمانات مكتوبة؟» إلى سؤال مختلف: «هل ستكون هذه الضمانات كافية وقابلة للتطبيق بما يسمح بمشاركة القوى المتحفظة؟»
وقال وزير العدل إن رئيس مجلس السيادة وافق على شطب البلاغات وتوفير ضمانات مكتوبة للمشاركين بما يسمح لهم بالانخراط في العملية السياسية دون التعرض لإجراءات قانونية بسبب آرائهم المرتبطة بالحوار.
كما أكد أن دور الدولة سيقتصر على تهيئة الظروف المناسبة للعملية، مشيراً إلى الموافقة على توفير مناخ عام للحريات يسمح للمشاركين بالتعبير عن مواقفهم.
لكن التحدي أمام المبادرة لا يقتصر على البلاغات الجنائية.
فقوى سياسية سبق أن اعترضت على إجراء الحوار داخل السودان في الظروف الحالية، وربط بعضها المشاركة بقضايا أوسع تشمل وقف الحرب، وحياد البيئة السياسية والأمنية، واستقلال اللجنة، ومعايير اختيار المشاركين وآليات اتخاذ القرار.
ومن ثم، قد يزيل القرار واحدة من العقبات الرئيسية أمام القادمين من الخارج، لكنه لن يحسم تلقائياً الخلافات السياسية حول المبادرة نفسها.
كما أن التنفيذ سيكون عاملاً حاسماً في بناء الثقة. فالقيمة السياسية للقرار لن تتحدد بنصه وحده، وإنما بمدى التزام المؤسسات العدلية والأمنية والشرطية به عند وصول شخصيات معارضة إلى البلاد وبدء اجتماعات الحوار.
وسيكون التعامل مع أول مجموعة من المشاركين القادمين من الخارج اختباراً عملياً لهذه الضمانات.
ويكتسب التطور أهمية إضافية بعد الترحيب الرسمي الذي أبداه الاتحاد الأفريقي بالمبادرة وربطها بخريطة الطريق الأفريقية والمسارات الإقليمية والدولية المتعلقة بالتسوية في السودان. فالضمانات المكتوبة قد تمنح اللجنة حجة أقوى أمام المؤسسات الإقليمية عند التأكيد أن الحوار يمكن أن يستوعب معارضين موجودين خارج البلاد.
ومع ذلك، تظل هناك أسئلة تحتاج إلى مزيد من التوضيح، بينها كيفية تحديد البلاغات التي تدخل ضمن وصف «الرأي السياسي»، والجهة التي ستفصل في الحالات المختلف عليها، والفترة المحددة التي تستمر فيها الحصانة بعد انتهاء الحوار.
لكن القرار يمثل، في حد ذاته، انتقالاً مهماً في مسار المبادرة.
فبعد أن كانت الحصانة المؤقتة والضمانات المكتوبة مطالب تقدمت بها اللجنة إلى السلطة، أصبحت الآن جزءاً من قرار صادر عن رئيس مجلس السيادة وموجهاً إلى مؤسسات الدولة لتنفيذه.
وبذلك يبدأ الاختبار الأصعب: هل يدفع القرار القوى والشخصيات الموجودة في الخارج إلى دخول السودان والجلوس إلى الطاولة، أم أن أزمة الثقة في العملية السياسية أعمق من أن تحسمها حصانة إجرائية وشطب للبلاغات؟
الإجابة ستظهر عندما تبدأ اللجنة بإرسال الدعوات، وعندما يقرر المعارضون الموجودون خارج البلاد ما إذا كان القرار رقم 363 يوفر لهم ضماناً كافياً للعودة والمشاركة، أم أن شروطهم ستظل تتجاوز الحماية القانونية إلى شكل العملية السياسية ومكانها ومستقبل الحرب نفسها.
اقرأ أيضا
طبيب «الكلازار» في مكان غير معلن.. ماذا يكشف اعتقال عطية عبد الله عن الضغوط على الكوادر الصحية؟




