خمس غرف أخبار تنتظر خبراً.. من يكشف مصير صحفيي السودان المختفين؟
صحفيون بلا أثر.. أزمة تتجاوز سلامة العاملين في الإعلام
الخرطوم | برق السودان
بعد شهور طويلة من انقطاع الأخبار، أعادت نقابة الصحفيين السودانيين ملف الصحفيين المختفين إلى الواجهة، معلنة أن مصير خمسة من العاملين في المجال الصحفي لا يزال مجهولاً، في حالات تمتد زمنياً من نوفمبر 2024 وحتى أكتوبر 2025، وتوزعت بين أم درمان وزالنجي والفاشر.
وقالت النقابة، في بيان صدر في 31 أغسطس 2026، إن قائمة الصحفيين الذين لا يزال مصيرهم مجهولاً تضم أشرف الحبر، ومصطفى فضل المولى «أبو قوته»، ومجدي يوسف الزين، ومحمد حسين شلبي، ومصعب الهادي.
ويعيد الإعلان طرح أحد أكثر الملفات تعقيداً في بيئة العمل الإعلامي خلال الحرب: كيف يمكن الوصول إلى معلومات موثوقة عن صحفي ينقطع الاتصال به في منطقة نزاع، في ظل تعدد القوى المسيطرة وغياب آلية مركزية وشفافة يمكن من خلالها معرفة ما إذا كان الشخص محتجزاً أو مفقوداً أو موجوداً في مكان يتعذر منه التواصل؟
ولا تتوافر حتى الآن، وفق المعلومات المعلنة، تأكيدات مستقلة بشأن أماكن وجود الصحفيين الخمسة أو أوضاعهم القانونية، كما لم يحدد بيان النقابة جهة مسؤولة عن كل حالة، ما يجعل التمييز بين الاختفاء والاحتجاز أو غيرهما من الاحتمالات أمراً غير ممكن دون معلومات إضافية.
من أم درمان إلى دارفور.. خمسة أسماء وانقطاع واحد للأخبار
تكشف القائمة المحدثة للنقابة أن القضية ليست مرتبطة بمنطقة جغرافية واحدة أو واقعة منفردة، إذ تعود حالات الاختفاء إلى مناطق مختلفة تأثرت بالحرب بصورة مباشرة.
وتضم القائمة حالات في أم درمان، إلى جانب زالنجي والفاشر في دارفور، خلال فترة زمنية تمتد لما يقارب عاماً بين أول وآخر الحالات الواردة في التوثيق.
وتكمن خطورة استمرار انقطاع أخبار الصحفيين طوال هذه المدة في أن مرور الوقت لا يوفر بالضرورة معلومات إضافية لعائلاتهم وزملائهم، بل قد يزيد صعوبة التحقق من مساراتهم والوصول إلى شهود أو وثائق تساعد في تحديد ما حدث.
كما أن استخدام وصف «مجهول المصير» يحتاج إلى الفصل بينه وبين توصيفات قانونية أكثر تحديداً. فغياب المعلومات عن شخص لا يكفي بمفرده لتحديد الجهة التي تحتجزه أو الجزم بتعرضه للاختفاء القسري، ما لم تتوافر أدلة بشأن ظروف الواقعة والمسؤولين عنها.
ولهذا تحمل القائمة الحالية أهمية توثيقية أساسية: فهي تحدد أسماء أشخاص تقول النقابة إن أخبارهم انقطعت، لكنها لا تقدم إجابات نهائية عن مصيرهم.
وتزداد الحاجة إلى التوضيح في ضوء وجود قوائم سابقة للنقابة تضمنت حالات اختفاء واحتجاز في سياق واحد، بينما تركز القائمة الجديدة على خمسة صحفيين ما زال مصيرهم مجهولاً.
ويطرح اختلاف القوائم سؤالاً حول الأسماء التي لم تعد تظهر في الحصر الأخير: هل عُرف مصيرها؟ هل أُطلق سراح أصحابها؟ أم أُعيد تصنيف الحالات بعد توفر معلومات جديدة؟
الإجابة عن هذه الأسئلة مهمة لبناء سجل دقيق ومحدث للانتهاكات التي تعرض لها الصحفيون منذ اندلاع الحرب.
صحفيون بلا أثر.. أزمة تتجاوز سلامة العاملين في الإعلام
لا يتعلق اختفاء الصحفيين بسلامتهم الشخصية وحدها، إذ ينعكس مباشرة على البيئة التي يعمل فيها بقية الصحفيين وعلى قدرة المؤسسات الإعلامية على تغطية الحرب.
فالصحفي الذي يعمل في منطقة تشهد عمليات عسكرية يواجه مخاطر القصف والاشتباكات والنزوح، إلى جانب احتمالات التوقيف والاحتجاز وصعوبة الحركة والاتصال.
وعندما يختفي صحفي لشهور دون وجود قناة موثوقة لمعرفة مكانه، تتحول المخاطر الفردية إلى رسالة مقلقة للعاملين الآخرين في المجال، خصوصاً لمن يعملون ميدانياً في مناطق النزاع.
وقد يدفع ذلك الصحفيين إلى تجنب الوصول إلى مناطق معينة أو الامتناع عن تغطية ملفات حساسة، وهو ما يؤدي في النهاية إلى تضييق المساحة المتاحة أمام الجمهور للحصول على معلومات مستقلة بشأن ما يجري على الأرض.
كما تواجه أسر المختفين نوعاً مختلفاً من المعاناة، إذ لا تملك إجابة عن السؤال الأساسي المتعلق بمصير أبنائها، ولا تعرف بالضرورة الجهة التي ينبغي مخاطبتها للحصول على المعلومات.
وهنا تبرز مشكلة أوسع تتجاوز الصحفيين الخمسة: غياب آلية موحدة وموثوقة للكشف عن الأشخاص المحتجزين والمفقودين في مناطق الحرب المختلفة.
ففي ظل تعدد السلطات والقوات ومراكز الاحتجاز، يصبح البحث عن شخص مفقود عملية معقدة يمكن أن تمر عبر جهات متعددة دون الوصول إلى إجابة حاسمة.
ويضع ذلك أطراف الحرب والسلطات المسيطرة على المناطق المختلفة أمام مسؤولية الإعلان عن الأشخاص الموجودين في أماكن الاحتجاز التابعة لها، وتوضيح أوضاعهم القانونية وتمكينهم من التواصل مع أسرهم والحصول على الضمانات القانونية اللازمة.
كما أن عدم تحديد النقابة للطرف المسؤول عن كل حالة يفرض حذراً في التعامل مع الملف؛ إذ لا ينبغي توجيه المسؤولية إلى جهة بعينها دون أدلة موثقة لكل واقعة.
لكن عدم معرفة المسؤول لا يلغي السؤال عن المصير.
وبعد شهور طويلة، وبعض الحالات التي تعود إلى عام 2024، لم يعد المطلوب مجرد إعادة نشر أسماء الصحفيين الخمسة، وإنما الوصول إلى معلومات يمكن التحقق منها بشأن مكان كل واحد منهم وظروف اختفائه وما إذا كان موجوداً في أي مركز احتجاز.
أشرف الحبر، مصطفى فضل المولى «أبو قوته»، مجدي يوسف الزين، محمد حسين شلبي، ومصعب الهادي؛ خمسة أسماء وراء كل منها أسرة وزملاء ومؤسسة صحفية تنتظر معلومة مؤكدة.
وفي بلد جعلت فيه الحرب الوصول إلى الحقيقة أكثر صعوبة، تختصر قضيتهم أزمة أكبر تواجه الصحافة السودانية: كيف يستطيع الصحفي البحث عن أخبار الآخرين، بينما قد يصبح هو نفسه خبراً مفقوداً لأشهر دون أن يعرف أحد أين يوجد؟
اقرأ ايضا
حصانة مؤقتة وشطب البلاغات.. البرهان يمنح المشاركين في الحوار السوداني ضمانات بقرار رئاسي




