لغة البيانات تكشف التحول.. كيف انتقلت السعودية من «التوازن الحذر» إلى دعم سلطة بورتسودان؟
الإدانة المباشرة لقوات تأسيس تكشف اتجاهاً أكثر وضوحاً
الخرطوم | برق السودان
لم يكن التحول في الخطاب السعودي تجاه الحرب في السودان وليد بيان واحد أو موقف مفاجئ، بل ظهر تدريجياً في لغة البيانات والتصريحات الرسمية التي صدرت عن الرياض على امتداد نحو عام. وبين رفض إنشاء «حكومة موازية» والتشديد على حماية مؤسسات الدولة، وصولاً إلى الإدانة المباشرة لهجمات قوات الدعم السريع، برز مسار سياسي يمكن قراءته باعتباره انتقالاً من لغة حذرة تجاه طرفي النزاع إلى خطاب أقرب إلى الرؤية التي تتبناها السلطة القائمة في بورتسودان.
يبدو أن الفارق بين فبراير 2025 وفبراير 2026 يكمن تحديداً في درجة الوضوح: ففي المحطة الأولى كان الخط الأحمر السعودي هو عدم إنشاء حكومة موازيةوبعد عام أصبح الخطاب أكثر مباشرة تجاه قوات تأسيس
ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة بالنظر إلى الدور السعودي منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، إذ استضافت المملكة إلى جانب الولايات المتحدة محادثات جدة، وحافظ خطابها خلال مراحل مختلفة على أولوية وقف القتال وحماية المدنيين واستعادة العملية السياسية، مع تجنب منح الصراع توصيفاً سياسياً يحسم بصورة واضحة مسألة الشرعية لصالح أحد طرفيه.
لكن متابعة المفردات المستخدمة في المواقف السعودية اللاحقة تكشف تغيراً تدريجياً. فالمسألة لم تعد مقتصرة على الدعوة إلى وقف إطلاق النار أو حماية المدنيين، وإنما بدأت مفاهيم مثل وحدة السودان و«مؤسسات الدولة» ورفض إنشاء سلطة موازية تحتل مساحة أكبر في الخطاب.
فبراير 2025.. «الحكومة الموازية» ترسم أول خط أحمر
في 28 فبراير 2025، أعلنت السعودية رفضها القاطع لأي خطوات أو إجراءات غير شرعية تتم خارج إطار عمل المؤسسات الرسمية للدولة السودانية، بما في ذلك الدعوة إلى تشكيل حكومة موازية.
مثّل هذا الموقف محطة مهمة في تطور الخطاب السعودي، لأنه نقل الرياض من التعامل بصورة أساسية مع الحرب باعتبارها صراعاً عسكرياً يحتاج إلى وقف إطلاق النار، إلى التعامل أيضاً مع النتائج السياسية التي يمكن أن تترتب عليها، وعلى رأسها احتمال نشوء سلطتين متنافستين داخل السودان.
وكانت دلالة استخدام مفهوم «المؤسسات الرسمية» أكبر من مجرد رفض تقسيم البلاد جغرافياً. فمن الناحية السياسية، يعني رفض حكومة بديلة خارج مؤسسات الدولة عدم التعامل مع السيطرة العسكرية على الأرض باعتبارها أساساً كافياً لإنشاء شرعية سياسية جديدة.
ومع تطور مساعي القوى المتحالفة مع قوات تأسيس لإنشاء هياكل سياسية وإدارية خاصة بها، أصبحت قضية وحدة مؤسسات الدولة واحدة من أبرز نقاط الخلاف في المشهد السوداني.
وبالنسبة إلى السلطة الموجودة في بورتسودان، كان الموقف السعودي من الحكومة الموازية متوافقاً بدرجة كبيرة مع حجتها السياسية الأساسية: أن أي سلطة تنشأ خارج المؤسسات القائمة تمثل تهديداً لوحدة السودان وقد تؤدي عملياً إلى تكريس الانقسام.
لكن وصف ذلك الموقف وحده بأنه «اعتراف جديد» بسلطة بورتسودان يحتاج إلى قدر من التحفظ؛ فالرياض كانت تتعامل بالفعل مع مؤسسات الدولة السودانية، بينما تمثّل التطور الأبرز في رفض منح مشروع السلطة المنافسة شرعية موازية.
وخلال الأشهر التالية، أصبحت هذه المفردات أكثر وضوحاً، وبدأ مفهوم الحفاظ على الدولة ومؤسساتها يتقدم في الخطاب المتعلق بمستقبل السودان.
وفي يناير 2026، حمل التواصل السعودي مع بورتسودان دلالة إضافية، مع التشديد على حماية مؤسسات الدولة وشرعيتها. ولم يعد النقاش، وفق هذا المسار، متعلقاً فقط بمنع قيام حكومة موازية، بل بالحفاظ على مركز سياسي ومؤسسي واحد للدولة.
وهنا يظهر التحول الأكثر أهمية: الانتقال من رفض البديل إلى التأكيد على المؤسسة القائمة.
فبراير 2026.. الإدانة المباشرة لقوات تأسيس تكشف اتجاهاً أكثر وضوحاً
في 7 فبراير 2026، اتخذ الخطاب السعودي خطوة إضافية مع صدور إدانة صريحة لهجمات قوات تأسيس والتأكيد مجدداً على دعم مؤسسات الدولة السودانية.
وتختلف هذه اللغة عن الصيغ الدبلوماسية التي تساوي في مخاطبة طرفي النزاع أو تكتفي بمطالبة «الأطراف» بوقف التصعيد. فتسمية طرف بعينه وإدانة أفعاله تمنح البيان ثقلاً سياسياً مختلفاً، خصوصاً عندما تأتي متزامنة مع التشديد على حماية مؤسسات الدولة.
وبجمع المحطات الثلاث، يظهر مسار متدرج: رفض الحكومة الموازية، ثم تعزيز خطاب شرعية المؤسسات، ثم إدانة قوات تأسيس بالاسم.
هذا التسلسل هو ما يمنح فرضية التحول السعودي قوتها، وليس أي بيان منفرد.
ويبدو أن الفارق بين فبراير 2025 وفبراير 2026 يكمن تحديداً في درجة الوضوح: ففي المحطة الأولى كان الخط الأحمر السعودي هو عدم إنشاء حكومة موازية؛ وبعد عام أصبح الخطاب أكثر مباشرة تجاه قوات تأسيس، بالتزامن مع تأكيد متزايد على مركزية مؤسسات الدولة.
لذلك، تكشف قراءة لغة البيانات السعودية عن تحول سياسي ملموس، ويمكن وصفه بأنه «تبنٍّ كامل لرؤية القوات المسلحة» وهو ما تثبته البيانات.
وفي حرب أصبحت فيها معركة الشرعية لا تقل أهمية عن معركة السيطرة على الأرض، فإن اختيار الكلمات في بيانات دولة بثقل السعودية ليس تفصيلاً بروتوكولياً. فمن «رفض الحكومة الموازية» إلى «دعم المؤسسات» ثم تسمية قوات تأسيس في سياق الإدانة، ترسم اللغة مساراً سياسياً متدرجاً يكشف أن المسافة بين الرياض وبورتسودان تقلصت، حتى وإن ظل باب التسوية السياسية مفتوحاً.
اقرأ أيضا
بعد رفض حميدتي.. مصادر تكشف نجاح وساطة جنوب سودانية في جمعه بمناوي في جوبا




