«تأسيس» يعلن إنشاء «جيش وطني جديد».. خطوة نحو توحيد قواته وإعادة تشكيل الخريطة العسكرية في السودان
جيشان ومركزا سلطة.. هل يتعمق خطر الانقسام؟
نيالا | برق السودان
أعلن تحالف السودان التأسيسي «تأسيس» عزمه إنشاء ما وصفه بـ«الجيش الوطني الجديد»، في خطوة تمثل تطوراً لافتاً في البنية العسكرية للتحالف الذي يسيطر على مناطق واسعة في دارفور وأجزاء من كردفان والنيل الأزرق، وسط استمرار الحرب وتعدد القوى المسلحة ومراكز السيطرة في البلاد.
وجاء الإعلان ضمن مخرجات الدورة الرابعة للهيئة القيادية للتحالف، التي انعقدت في مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، برئاسة قائد قوات تأسيس ورئيس الهيئة القيادية لـ«تأسيس» محمد حمدان دقلو «حميدتي»، وبمشاركة نائبه ورئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال عبد العزيز الحلو.
وبحسب البيان الختامي للاجتماعات، أقرت الهيئة «تأسيس الجيش الوطني الجديد، والعمل الجاد على بسط الأمن والاستقرار ومعالجة الأوضاع الأمنية»، دون الكشف عن تفاصيل الهيكل القيادي للقوة الجديدة أو حجمها أو آليات تشكيلها ودمج القوات التابعة لمكونات التحالف داخلها.
ويمثل الإعلان انتقالاً مهماً في مشروع «تأسيس»، إذ لم يعد التحالف يتحدث فقط عن تنسيق سياسي وعسكري بين قوات وحركات متحالفة، وإنما عن بناء مؤسسة عسكرية موحدة بالتوازي مع الهياكل السياسية والتنفيذية التي أعلنها لإدارة المناطق الواقعة تحت سيطرته.
من تحالف لقوات متعددة إلى مؤسسة عسكرية واحدة
تكمن أهمية الإعلان في طبيعة المكونات العسكرية التي يضمها «تأسيس»، وفي مقدمتها قوات تأسيس «قوات الدعم السريع سابقاً» والحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، إلى جانب مجموعات وقوى أخرى انضمت إلى التحالف.
وحتى الآن تعمل هذه المكونات بخلفيات وهياكل قيادية وعسكرية مختلفة، ما يجعل تأسيس جيش موحد عملية أكثر تعقيداً من مجرد الإعلان السياسي عنه.
فبناء مؤسسة عسكرية واحدة يفترض تحديد قيادة عامة وتسلسل قيادي واضح، إلى جانب توحيد الرتب وأنظمة التجنيد والتدريب والتسليح والانتشار، وتحديد العلاقة بين القوات الموجودة حالياً والهيكل العسكري الجديد.
ولم يوضح البيان ما إذا كانت قوات تأسيس والحركة الشعبية والقوات التابعة لبقية مكونات «تأسيس» ستُحل بصيغتها الحالية وتندمج بالكامل داخل الجيش المعلن، أم ستحتفظ بهياكلها مع إنشاء قيادة مشتركة فوقها.
كما لم يحدد موعداً لبدء عملية التشكيل أو المراحل التي ستتم من خلالها.
وتشكل العلاقة بين قوات تأسيس والحركة الشعبية–شمال إحدى أهم النقاط التي تستحق المتابعة، نظراً إلى اختلاف الخلفية التنظيمية والعسكرية لكل منهما ومناطق انتشارهما وأهدافهما التاريخية.
وإذا تمكن التحالف فعلياً من دمج هذه التشكيلات تحت قيادة عسكرية واحدة، فإن ذلك سيمثل تحولاً كبيراً في تركيبته، من ائتلاف سياسي وعسكري إلى كيان يمتلك مؤسسات حكم وقوة عسكرية يسعى إلى تقديمها باعتبارها جيشاً موحداً.
لكن نجاح هذا المشروع سيعتمد على ما إذا كانت المكونات المسلحة مستعدة للتنازل عن جزء من استقلالها القيادي لمصلحة المؤسسة الجديدة.
جيشان ومركزا سلطة.. هل يتعمق خطر الانقسام؟
يحمل الإعلان دلالة تتجاوز إعادة تنظيم القوات التابعة لـ«تأسيس»، لأنه يأتي بالتوازي مع بناء التحالف مؤسسات سياسية وتنفيذية لإدارة المناطق الخاضعة لسيطرته.
وهذا التزامن بين تشكيل هياكل للحكم والإعلان عن مؤسسة عسكرية جديدة يطرح تساؤلات بشأن اتجاه الصراع السوداني نحو ترسيخ مركزين متنافسين للسلطة والقوة المسلحة.
ففي المناطق الواقعة تحت سيطرة الجيش، تعمل مؤسسات الدولة والسلطة الموجودة في بورتسودان تحت قيادة رئيس مجلس السيادة وقائد القوات المسلحة عبد الفتاح البرهان.
وفي المقابل، يعمل «تأسيس» على استكمال مؤسسات السلطة التي أعلنها في المناطق الواقعة تحت نفوذ مكوناته، ويضيف إليها الآن مشروع إنشاء جيش خاص بهذه المنظومة.
وبذلك قد تتجاوز الحرب تدريجياً معادلة وجود قوتين عسكريتين متقاتلتين إلى واقع أكثر تعقيداً يقوم على مركزين للسلطة، لكل منهما مؤسسات سياسية وعسكرية ومناطق نفوذ.
وهذا الاحتمال يفسر جانباً من الحساسية السياسية المحيطة بمشروعات الحكم الموازي، التي قوبلت برفض من الحكومة في بورتسودان وعدد من الدول والمنظمات الإقليمية والدولية التي أكدت تمسكها بوحدة السودان ومؤسسات الدولة.
كما يفتح إعلان «الجيش الوطني الجديد» سؤالاً مباشراً حول مستقبل أي تسوية سياسية للحرب.
فأحد الملفات الرئيسية في أي اتفاق مستقبلي سيكون شكل المؤسسة العسكرية السودانية، وكيفية التعامل مع قوات الدعم السريع والحركات المسلحة وبقية التشكيلات العسكرية.
وإذا مضى «تأسيس» في إنشاء جيش مستقل بهيكل وقيادة خاصة به، فقد تصبح عملية توحيد القوات مستقبلاً أكثر تعقيداً، خصوصاً إذا تطورت المؤسسة الجديدة وأصبحت جزءاً أساسياً من هياكل السلطة في مناطق سيطرة التحالف.
وفي المقابل، قد يقدم «تأسيس» المشروع باعتباره محاولة لتجاوز تعدد الجيوش داخل المناطق التابعة له وإنشاء قوة موحدة، وليس خطوة لتكريس الانقسام. لكن الحكم على ذلك سيعتمد على شكل المؤسسة التي ستنشأ فعلياً وعلاقتها بمستقبل الدولة السودانية.
ولهذا فإن الإعلان الصادر من نيالا يمثل بداية مسار وليس اكتماله.
فلا تزال الأسئلة الأكثر أهمية بلا إجابات: من سيقود الجيش الجديد؟ ما مصير «قوات الدعم السريع» والحركة الشعبية داخله؟ كيف ستتم عمليات الدمج؟ وما العقيدة العسكرية وسلسلة القيادة التي ستحكمه؟
والأهم من ذلك: هل يقدم «تأسيس» هذه المؤسسة باعتبارها نواة لجيش سوداني بديل يسعى إلى الحلول محل القوات المسلحة القائمة، أم باعتبارها تنظيماً عسكرياً انتقالياً للمناطق الخاضعة لسيطرته إلى حين الوصول إلى تسوية شاملة؟
الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد الوزن الحقيقي للقرار.
لكن المؤكد من الإعلان نفسه أن «تأسيس» انتقل خطوة إضافية في بناء هياكله الموازية: بعد تشكيل مؤسسات سياسية وتنفيذية، أصبح إنشاء مؤسسة عسكرية موحدة جزءاً معلناً من مشروعه، وهو تطور قد يزيد تعقيد معركة الشرعية ووحدة المؤسسة العسكرية ومستقبل الدولة السودانية مع استمرار الحرب.
اقرأ ايضا




