الأخبارتقارير

حين يصبح اللجوء فخاً.. تحقيق يوثق استغلالاً جنسياً يطال سودانيات في مصر

19 شهادة ترسم صورة عن ضغوط الوثائق والسكن والعمل والفقر.. وخمس سودانيات يروين تجارب مباشرة مع الجنس مقابل المال أو الاحتياجات الأساسية

القاهرة | برق السودان

خلف أرقام النزوح الضخمة التي خلفتها حرب السودان، يكشف تحقيق صحفي جديد وجهاً أكثر خفاءً للأزمة، بعدما وثق حالات لسودانيات في مصر دفعتهن أوضاع اقتصادية وقانونية شديدة الهشاشة إلى دائرة من الاستغلال الجنسي والجنس مقابل المال أو الاحتياجات الأساسية.

ونشرت صحيفة «الغارديان»، في 7 سبتمبر 2026، تحقيقاً استند إلى مقابلات مع 19 شخصاً من اللاجئين والعاملين في المجال الإنساني ومقدمي الخدمات والقطاع الصحي، بينهم خمس سودانيات تحدثن مباشرة عن تجاربهن.

19 شهادة ترسم صورة عن ضغوط الوثائق والسكن والعمل والفقر.. وخمس سودانيات يروين تجارب مباشرة مع الجنس مقابل المال أو الاحتياجات الأساسية

وترسم الشهادات مساراً تتداخل فيه عدة عوامل: فقدان مصدر الدخل، وصعوبة الحصول على إقامة ووثائق مستقرة، والعمل غير الرسمي، وارتفاع تكاليف الإيجار والغذاء، وضعف شبكات الحماية.

لكن التحقيق لا يمثل مسحاً إحصائياً للاجئات السودانيات في مصر، ولا يقدم رقماً وطنياً يمكن استخدامه لتحديد حجم الظاهرة. وهذا التمييز ضروري.

فالشهادات تكشف وجود المشكلة وآلياتها، لكنها لا تسمح بتعميم تجارب النساء اللواتي تمت مقابلتهن على مئات الآلاف من السودانيات الموجودات في مصر.

من أزمة الوثائق إلى سوق العمل غير الرسمي

منذ اندلاع الحرب، أصبحت مصر واحدة من أبرز وجهات السودانيين الفارين من النزاع. لكن الوصول إلى مكان أكثر أمناً من مناطق القتال لا يعني بالضرورة انتهاء المخاطر.

فبحسب الشهادات التي جمعها التحقيق، وجدت بعض النساء أنفسهن أمام دائرة تبدأ بصعوبة الوضع القانوني أو الوثائق، ثم تمتد إلى محدودية فرص العمل النظامي وانخفاض الأجور في الاقتصاد غير الرسمي.

بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب تكشف أزمة السودان أن النزوح لا ينتهي عند عبور الحدود

وعندما تجتمع هذه العوامل مع الإيجارات والطعام والعلاج ومسؤولية إعالة الأطفال، يمكن أن تصبح المرأة أكثر عرضة لمن يستغل حاجتها إلى المال أو السكن أو العمل.

وتحدثت خمس سودانيات للصحيفة عن تجارب مباشرة، فيما غيّرت «الغارديان» أسماء الناجيات وبعض مقدمي الخدمات لحمايتهم. وهذه الحماية مهمة في ملف يمكن أن يعرض النساء للوصم الاجتماعي أو مخاطر قانونية وأمنية إضافية. ويشير التحقيق إلى أن المسألة لا تتعلق بنمط واحد من الاستغلال.

فقد تتداخل الحاجة الاقتصادية مع الابتزاز أو استغلال علاقات العمل والسكن، بينما يمكن أن تدفع الظروف القاسية بعض النساء إلى تبادل الجنس مقابل المال أو الاحتياجات الأساسية.

ولهذا فإن فهم الظاهرة يتطلب النظر إلى البيئة التي تجعل الاستغلال ممكناً، وليس فقط إلى النتيجة التي تصل إليها الضحية.

طبيب يتحدث عن حالات متكررة.. لكن لا إحصاء وطنياً

يدعم التحقيق شهادات النساء بمقابلات مع عاملين ومهنيين يتعاملون مع اللاجئين. ومن بينهم طبيب في القاهرة قال إنه يستقبل حالات متكررة لنساء تعرضن للاستغلال أو واجهن حملاً غير مرغوب فيه.

لكن حتى هذه الشهادات المهنية لا توفر أساساً لإنتاج نسبة وطنية عن حجم المشكلة. فلا توجد، وفق المعلومات الواردة في التحقيق، حصيلة رسمية منشورة تشمل جميع اللاجئات السودانيات في مصر وتحدد عدد ضحايا الاستغلال الجنسي أو الاقتصادي.

وبالتالي يجب التعامل بحذر مع أي نسب أو تقديرات يقدمها عاملون محليون استناداً إلى الحالات التي يشاهدونها في مناطق أو مؤسسات محددة.

ما يمكن قوله هو أن عدة مصادر مستقلة تحدثت للصحيفة عن نمط من الحالات يستحق اهتماماً وحماية أكبر.

الاستغلال لا يبدأ عند لحظة الاعتداء

القضية الأوسع التي يكشفها التحقيق هي أن العنف والاستغلال يمكن أن يكونا نتيجة لسلسلة طويلة من أوجه الهشاشة.

غياب الوثائق يضعف الوصول إلى العمل النظامي.

غياب العمل المستقر يضغط على القدرة على دفع الإيجار.

نقص التمويل الإنساني يقلل حجم المساعدات.

وفقدان المعيل يمكن أن يترك امرأة مسؤولة وحدها عن أطفال وأسرة بلا دخل منتظم.

وعندما تتراكم هذه العوامل، ترتفع قدرة الآخرين على استغلال الحاجة.

لهذا فإن التعامل مع المشكلة باعتبارها قضية «سلوك فردي» يتجاهل الظروف الاقتصادية والقانونية التي تكشفها الشهادات.

فالاستجابة لا تتعلق فقط بملاحقة المعتدين، وإنما كذلك بتوفير آليات آمنة للإبلاغ، والوصول إلى الرعاية الصحية والنفسية، وحماية النساء والأطفال، وتحسين فرص كسب الدخل القانوني والآمن.

نقص التمويل يضغط على شبكة الحماية

يأتي التحقيق في وقت تواجه فيه الاستجابة الإنسانية لأزمة النزوح السوداني ضغوطاً مالية واسعة. ويمثل التمويل عنصراً أساسياً في قدرة المنظمات على توفير المساعدات النقدية والسكن والحماية والخدمات الصحية والدعم القانوني. وعندما تتراجع هذه الخدمات، لا تختفي الاحتياجات. بل تنتقل كلفتها إلى الأسر نفسها، وتكون الأسر التي فقدت دخلها أو معيلها من الأكثر عرضة للخطر.

وهنا تصبح أزمة التمويل مرتبطة مباشرة بالحماية: كلما اتسعت الفجوة بين احتياجات اللاجئين والمساعدات المتاحة، زادت احتمالات اللجوء إلى آليات بقاء خطرة أو التعرض للاستغلال.

العودة إلى السودان ليست دائماً «اختياراً آمناً»

يكشف التحقيق كذلك عن مفارقة قاسية تواجه بعض الأسر. فقد تكون ظروف الحياة في بلد اللجوء صعبة إلى درجة تدفع البعض إلى التفكير في العودة، بينما لا تزال مناطق واسعة من السودان تعاني الحرب وانعدام الأمن وتدهور الخدمات. وهكذا قد يصبح القرار بين مخاطر مختلفة، بدلاً من الاختيار بين الخطر والأمان.

وبالنسبة إلى النساء اللواتي تعرضن للاستغلال، تضاف إلى ذلك احتياجات مرتبطة بالصحة الإنجابية والدعم النفسي والحماية من العنف والوصم. وهذه الجوانب يمكن أن تستمر آثارها حتى بعد تغير الوضع الاقتصادي أو العودة إلى السودان.

ما الذي يثبته التحقيق وما الذي لا يثبته؟

يثبت التحقيق، من خلال شهادات متعددة، وجود حالات موثقة من الاستغلال والضغوط التي دفعت نساء سودانيات إلى أوضاع شديدة الخطورة في مصر. ويكشف أيضاً عن عوامل مشتركة في عدد من الشهادات، بينها الفقر والوثائق والعمل غير الرسمي والسكن. لكنه لا يثبت أن هذه التجارب تمثل غالبية اللاجئات السودانيات، ولا يقدم نسبة وطنية لانتشار الظاهرة. والفارق بين الأمرين مهم لحماية دقة القصة وحماية النساء أنفسهن من التعميم والوصم.

القضية التي يفتحها تحقيق «الغارديان» أكبر من الحالات الخمس التي تحدثت مباشرة للصحيفة.

إنها سؤال عن بنية الحماية المحيطة بالسودانيين الذين فروا من الحرب: ماذا يحدث عندما يصل اللاجئ إلى بلد آمن من القصف، لكنه لا يجد دخلاً أو وثائق مستقرة أو سكناً يمكن تحمله؟

ومن يحمي المرأة عندما تصبح حاجتها إلى الإيجار والطعام والعلاج وسيلة يمكن للآخرين استغلالها؟

بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، تكشف أزمة السودان أن النزوح لا ينتهي عند عبور الحدود. وبالنسبة إلى بعض النساء، قد تبدأ خلف الحدود معركة أخرى من أجل البقاء والكرامة والحماية.

اقرأ أيضا

السودان.. أين هم؟.. 11 ألف ملف مفقود مفتوح والصليب الأحمر يعثر على إجابات لـ613 حالة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى