السودان.. أين هم؟.. 11 ألف ملف مفقود مفتوح والصليب الأحمر يعثر على إجابات لـ613 حالة
الصليب الأحمر يكشف حصيلة جديدة لعمليات التتبع خلال النصف الأول من 2026.. وآلاف الملفات لا تزال مفتوحة وسط مخاوف من دفن جثامين دون توثيق كافٍ
الخرطوم | برق السودان
نجحت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في تحديد مصير أو مكان 613 شخصاً مفقوداً في السودان خلال النصف الأول من عام 2026، في حصيلة جديدة تكشف جانباً من عمليات البحث عن آلاف الأشخاص الذين انقطعت أخبارهم خلال الحرب، لكنها تكشف في الوقت نفسه اتساع الفجوة بين عدد الحالات المفتوحة والملفات التي يمكن الوصول فيها إلى إجابات.
وبحسب بيانات اللجنة، ساعدت عملياتها كذلك 38,512 أسرة على استعادة الاتصال بأقاربها أو الحفاظ عليه خلال الفترة نفسها، في بلد فرقت الحرب سكانه بين مناطق النزاع والنزوح واللجوء إلى دول الجوار.
613 إجابة مقابل 11 ألف سؤال.. لماذا تتسع أزمة مفقودي السودان أسرع من عمليات البحث؟
ورغم هذه النتائج، لا تزال لدى اللجنة الدولية للصليب الأحمر أكثر من 11 ألف حالة فقدان نشطة مرتبطة بالسودان، بينها أكثر من 9 آلاف حالة سُجلت منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
لكن الرقم الأخير ليس حصيلة جديدة ظهرت للمرة الأولى في سبتمبر.
فقد أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر منذ أبريل 2026 أن عدد حالات المفقودين المسجلة لديها تجاوز 11 ألفاً. الجديد في البيانات الحالية هو نتائج عمليات البحث والتتبع خلال النصف الأول من العام، وفي مقدمتها تحديد مصير أو مكان 613 شخصاً.
وتشير المقارنة بين الرقمين إلى حجم التحدي: مئات الأسر حصلت على إجابات، لكن آلافاً أخرى لا تزال تنتظر معرفة ما إذا كان أقاربها أحياء، أو محتجزين، أو في مناطق انقطعت عنها الاتصالات، أو توفوا خلال الحرب دون التعرف إليهم وتوثيق مصيرهم.
613 حالة حُسمت.. وأكثر من 11 ألفاً ما زالت مفتوحة
لا يعني وصف شخص بأنه «مفقود» بالضرورة أنه توفي.
فحالات الفقد في النزاعات المسلحة يمكن أن تنتج عن النزوح المفاجئ، وانقطاع شبكات الاتصالات، والاحتجاز، والإصابة ونقل الأشخاص إلى مستشفيات مختلفة، والفرار عبر الحدود، والانفصال عن أفراد الأسرة أثناء المعارك.
ولهذا تقوم عمليات البحث على محاولة تتبع الشخص وربط المعلومات المتاحة عنه ببيانات المستشفيات ومراكز الاحتجاز ومناطق النزوح وغيرها من المصادر التي يمكن الوصول إليها.
وتكشف مساعدة أكثر من 38 ألف أسرة على استعادة الاتصال أو المحافظة عليه عن جانب آخر من الأزمة لا يظهر في أرقام المفقودين وحدها.
فالحرب أدت إلى تشتيت ملايين السودانيين داخل البلاد وخارجها، بينما تسبب انهيار الاتصالات في بعض المناطق وصعوبة التنقل بين الولايات في فقدان التواصل بين أفراد الأسرة الواحدة.
وفي بعض الحالات، قد يكون العثور على الشخص ممكناً خلال فترة قصيرة.
لكن حالات أخرى يمكن أن تظل مفتوحة سنوات، خصوصاً عندما تكون المعلومات الأولية محدودة، أو يكون الشخص قد فُقد في منطقة شهدت معارك عنيفة أو عمليات دفن لم توثق بصورة كافية.
ويصبح هذا الاحتمال أكثر خطورة كلما طال أمد الحرب.
الجثامين غير الموثقة.. أزمة أخرى خلف أرقام المفقودين
أحد أخطر التحديات التي تواجه عمليات البحث يتعلق بالجثامين التي دُفنت خلال سنوات الحرب دون تسجيل معلومات كافية يمكن استخدامها لاحقاً للتعرف إلى أصحابها.
وتحدث مسؤول في اللجنة الدولية للصليب الأحمر، في مقابلة صحفية، عن معلومات وتقارير تشير إلى دفن أكثر من 20 ألف جثمان في الخرطوم خلال الحرب دون توثيق كافٍ.
لكن هذا الرقم يحتاج إلى قراءة دقيقة.
فهو لم يُقدم باعتباره إحصاءً مستقلاً تحققت منه اللجنة الدولية للصليب الأحمر عبر حصر شامل للجثامين، وإنما باعتباره رقماً متداولاً في معلومات وتقارير وصلت إليها.
ولهذا لا يمكن جمعه مع أرقام المفقودين أو التعامل معه باعتباره حصيلة مؤكدة للوفيات.
لكن المشكلة التي يشير إليها الرقم حقيقية وخطيرة: ماذا يحدث عندما يُدفن شخص مجهول الهوية من دون تسجيل المعلومات التي تسمح بالتعرف إليه مستقبلاً؟
في هذه الحالة، قد تستمر أسرته في البحث عنه باعتباره مفقوداً، بينما يكون قد دُفن بالفعل في مكان لا تعرفه.
ومع مرور الوقت، يصبح الربط بين الجثمان والأسرة أكثر صعوبة، خصوصاً إذا لم تُحفظ بيانات موقع الدفن والملابس والمقتنيات والخصائص الجسدية أو العينات التي يمكن استخدامها لاحقاً في تحديد الهوية.
الفقد لا ينتهي عند سؤال «أين هو؟»
معرفة مصير المفقود ليست قضية إنسانية وعاطفية فقط.
فغياب الإجابة يمكن أن يترك الأسرة في وضع قانوني واجتماعي معلق لسنوات.
إثبات الوفاة، على سبيل المثال، قد يكون ضرورياً لإجراءات الميراث والوثائق الرسمية وشؤون الأطفال والزواج والملكية والمعاملات المالية.
وفي حالات الاحتجاز، تحتاج الأسرة إلى معرفة مكان وجود الشخص ووضعه القانوني وإمكانية التواصل معه.
أما الأسر التي تفرقت بين السودان ودول اللجوء، فقد تتحول عملية البحث إلى قضية عابرة للحدود تحتاج إلى التنسيق بين عدة دول ومؤسسات.
ولهذا فإن كل ملف مفقود لا يمثل رقماً واحداً فقط، وإنما أسرة كاملة تعيش في انتظار معلومة قد تغير وضعها الإنساني والقانوني.
لماذا تتسع الفجوة؟
تكشف حصيلة النصف الأول من 2026 مفارقة واضحة.
هناك تقدم ملموس: 613 شخصاً تم تحديد مصيرهم أو مكانهم، وأكثر من 38 ألف أسرة تلقت مساعدة مرتبطة باستعادة التواصل أو الحفاظ عليه.
لكن قاعدة الحالات النشطة لا تزال تتجاوز 11 ألفاً.
ويرتبط ذلك جزئياً باستمرار الحرب نفسها.
فبينما تعمل فرق البحث على حل ملفات قديمة، تظهر حالات جديدة نتيجة المعارك والنزوح والاحتجاز وانقطاع الاتصالات.
وهكذا لا تبدأ عمليات التتبع من رقم ثابت يتناقص تدريجياً؛ بل من قائمة يمكن أن تضاف إليها حالات جديدة في الوقت الذي تُغلق فيه ملفات أخرى.
كما أن الرقم المسجل لدى اللجنة الدولية للصليب الأحمر لا ينبغي اعتباره حصراً شاملاً لكل مفقودي السودان.
فهو يعكس الحالات التي وصلت إلى اللجنة وسُجلت لديها، بينما يمكن أن توجد حالات لم تبلغ عنها الأسر أو لم تتمكن من الوصول إلى الجهات المعنية.
11 ألف ملف.. والوقت جزء من المعركة
كلما طال الزمن، أصبحت بعض عمليات البحث أكثر تعقيداً.
تتغير مواقع السكان، وقد يغادر الشهود مناطقهم، وتتعرض الوثائق للتلف، وتتغير مواقع الدفن، وقد تضيع السجلات الطبية أو سجلات الاحتجاز.
ولهذا فإن توثيق المعلومات منذ اللحظة الأولى ليس إجراءً بيروقراطياً ثانوياً، بل جزء أساسي من حق الأسر في معرفة مصير أقاربها.
وبعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، تكشف الأرقام الجديدة أن السودان لا يواجه فقط أزمة مفقودين، وإنما أزمة توثيق قد تحدد ما إذا كان من الممكن حل آلاف هذه الملفات مستقبلاً.
لقد حصلت 613 أسرة، أو عائلات مرتبطة بهذه الحالات، على نوع من الإجابة خلال ستة أشهر.
لكن خلفها لا يزال أكثر من 11 ألف ملف مفتوح.
وبين الرقمين توجد الأسئلة الأصعب: كم شخصاً ما زال حياً ولا تستطيع أسرته الوصول إليه؟ كم شخصاً يوجد في الاحتجاز؟ كم جثماناً دُفن دون تحديد هوية صاحبه؟ وهل توجد سجلات كافية تسمح بالتعرف إلى المدفونين بعد سنوات؟
بالنسبة إلى آلاف الأسر السودانية، لا يتعلق الأمر بإحصاءات الحرب بقدر ما يتعلق بسؤال واحد لم يحصلوا بعد على إجابة عنه: أين هم؟
اقرأ أيضا
الجيش يدفع عملياته غرباً.. النهود تدخل خريطة المعارك وبابنوسة تحت القصف




