الإقتصاد

زيادة رأس المال أو الاندماج.. 38 مصرفاً سودانياً أمام غربال نهاية 2026»

زيادة رؤوس الأموال أو الاندماج تضع البنوك أمام مرحلة مفصلية.. وتقرير يشير إلى احتمال التصفية الإدارية للمصارف غير القادرة على استيفاء المتطلبات

الخرطوم | برق السودان 

يدخل القطاع المصرفي السوداني الأشهر الأخيرة من عام 2026 أمام واحد من أصعب اختبارات بقائه منذ اندلاع الحرب، بعدما رفعت السلطات النقدية بصورة كبيرة متطلبات الحد الأدنى لرأس المال، وفتحت الباب أمام اندماج المصارف غير القادرة على استيفائها، وسط معلومات عن مهلة تمتد حتى نهاية العام واحتمال وصول الإجراءات إلى التصفية الإدارية لبعض البنوك.

ويضم القطاع المصرفي السوداني نحو 38 مصرفاً، ما يجعل تطبيق متطلبات الرسملة الجديدة مرشحاً لإعادة رسم خريطة البنوك العاملة في البلاد، سواء عبر زيادة رؤوس الأموال أو دخول مساهمين جدد أو الاندماج بين مؤسسات قائمة.

أما السيناريو الأكثر حساسية فهو خروج بعض المصارف من السوق إذا عجزت عن توفيق أوضاعها.

وبحسب تقرير اقتصادي نشرته «الجزيرة» في 7 سبتمبر 2026، نقلاً عن مسؤول في بنك السودان المركزي طلب عدم الكشف عن اسمه، أُمهلت غالبية المصارف حتى نهاية العام لتوفيق أوضاعها، مع احتمال اللجوء إلى التصفية الإدارية بالنسبة إلى المؤسسات غير القادرة على الامتثال.

لكن هذه الجزئية تحتاج إلى الفصل بينها وبين ما أعلنه البنك المركزي رسمياً.

فمتطلبات رأس المال الجديدة وإتاحة خيار الاندماج مثبتتان في منشور بنك السودان المركزي رقم 4/2026 الصادر في 17 فبراير 2026، بينما لم يصدر، وفق المعلومات المنشورة حتى الآن، تعميم عام من البنك يحدد أسماء المصارف المهددة بالتصفية أو يؤكد بصورة علنية أن 31 ديسمبر هو الموعد النهائي لجميع البنوك.

من 35 إلى 230 مليار جنيه.. اختبار الرسملة الجديد

تبدأ عملية إعادة الهيكلة من أرقام رأس المال.

فقد حدد بنك السودان المركزي حداً أدنى جديداً لرأس المال المدفوع يبلغ 140 مليار جنيه سوداني للمصارف التجارية والرقمية.

أما المصارف التنموية والمتخصصة، فارتفع الحد الأدنى المطلوب منها إلى 230 مليار جنيه.

وتتراوح المتطلبات بالنسبة إلى مؤسسات التمويل الأصغر والاستثمار بين 35 و55 مليار جنيه، وفق نوع المؤسسة وتصنيفها.

ولا تعني هذه الأرقام مجرد تغيير محاسبي.

فرأس المال يمثل أحد خطوط الدفاع الأساسية التي تسمح للمصرف بامتصاص الخسائر وحماية استمراريته، ولذلك فإن ارتفاع المتطلبات في اقتصاد يعاني تداعيات حرب ممتدة يضع المؤسسات الأضعف أمام اختبار صعب.

ويتيح المنشور الرسمي للمصارف أكثر من مسار لتوفيق أوضاعها، من بينها زيادة رأس المال، واستقطاب مساهمات جديدة، أو الاتجاه إلى الاندماج.

وهنا قد تبدأ الخريطة المصرفية السودانية في التغير.

فالمصرف الذي لا يستطيع مساهموه ضخ عشرات المليارات من الجنيهات الإضافية قد يجد أن الاندماج مع بنك آخر أقل كلفة وأكثر واقعية من محاولة البقاء منفرداً.

الحرب أضعفت البنوك قبل اختبار المركزي

تأتي متطلبات الرسملة الجديدة في بيئة مصرفية مختلفة جذرياً عن تلك التي كانت قائمة قبل اندلاع الحرب في أبريل 2023.

فقد تعرضت فروع ومقار مصرفية في مناطق القتال للنهب والتخريب، وتعطلت خدمات وعمليات لفترات طويلة، بينما انتقلت إدارات عدد من المؤسسات إلى مناطق أكثر أمناً.

وفي الوقت نفسه، أدى الانكماش الاقتصادي والتضخم وتراجع قيمة العملة واضطراب النشاط التجاري إلى زيادة الضغوط على ميزانيات البنوك.

وتضاف إلى ذلك مشكلة الديون المتعثرة، إذ تصبح قدرة الشركات والأفراد على الوفاء بالتزاماتهم أضعف عندما تتوقف الأنشطة الاقتصادية أو تتضرر الأصول أو تنقطع سلاسل الإمداد.

وبذلك تواجه المصارف ضغوطاً من اتجاهين في الوقت نفسه: خسائر وتراجع في قيمة الأصول من جهة، ومتطلبات رأسمالية أعلى من جهة أخرى.

ومن منظور البنك المركزي، يمكن أن يؤدي رفع رأس المال إلى بناء قطاع أقل عدداً لكنه أكثر قدرة على تحمل الصدمات.

لكن الوصول إلى هذه النتيجة قد يمر بمرحلة مؤلمة من الاندماجات وإعادة الهيكلة وربما خروج مؤسسات من السوق.

هل تبدأ موجة اندماجات مصرفية؟

خيار الاندماج هو أحد أكثر السيناريوهات واقعية إذا عجز عدد كبير من المصارف عن الوصول منفرداً إلى الحدود الجديدة.

فبدلاً من وجود مصرفين يعاني كل منهما نقصاً في رأس المال، يمكن نظرياً دمج الأصول والودائع وشبكات الفروع وقواعد العملاء ورؤوس الأموال في مؤسسة واحدة أكبر.

لكن الاندماج المصرفي أكثر تعقيداً من مجرد جمع رأس مال بنكين.

فأي عملية من هذا النوع تتطلب تقييم جودة الأصول والالتزامات والديون المتعثرة والمراكز القانونية والعقود، إضافة إلى تحديد نسب ملكية المساهمين وإدارة الفروع والموظفين والأنظمة التقنية.

وتصبح هذه العملية أكثر صعوبة في السودان بسبب آثار الحرب وصعوبة تقييم بعض الأصول الموجودة في مناطق شهدت قتالاً أو دماراً واسعاً.

ولهذا فإن عدد البنوك القادرة على استيفاء متطلبات المركزي دون إعادة هيكلة سيكون مؤشراً مهماً إلى الحجم الحقيقي للأضرار التي أصابت النظام المصرفي.

التصفية.. السيناريو الأكثر حساسية للمودعين

الجزء الأكثر إثارة للقلق في تقرير 7 سبتمبر يتعلق باحتمال التصفية الإدارية للمصارف التي تفشل في زيادة رأس المال أو الاندماج.

لكن من الضروري التعامل مع هذه المعلومة بحذر.

فخيار التصفية والمهلة المحددة حتى نهاية 2026 وردا، بحسب التقرير، نقلاً عن مسؤول في البنك المركزي طلب عدم نشر اسمه، بينما لا يتوافر حتى الآن إعلان عام يحدد البنوك التي يمكن أن تخضع لهذا الإجراء.

ولا يعني إخفاق مصرف في استيفاء متطلبات رأس المال تلقائياً ضياع ودائع عملائه.

 

لكن أي تصفية مصرفية تثير بصورة طبيعية أسئلة تتعلق بكيفية حماية المودعين، وتسوية الالتزامات، والتعامل مع القروض والحسابات والتحويلات، والجهة التي ستتولى إدارة الأصول.

ولهذا سيكون على بنك السودان، إذا انتقل بالفعل إلى مرحلة تصفية أي مؤسسة، توضيح الآليات والإجراءات التي تحكم مصير أموال العملاء قبل التنفيذ.

وبالنسبة إلى المواطن، هذه هي القضية الأكثر أهمية.

فالمودع لا ينظر إلى عملية إعادة الهيكلة باعتبارها إصلاحاً لمؤشرات كفاية رأس المال، وإنما يسأل ببساطة: ماذا سيحدث لأموالي إذا اندمج البنك الذي أتعامل معه أو خرج من السوق؟

38 مصرفاً.. هل يحتاج السودان إلى هذا العدد؟

تفتح عملية إعادة الرسملة نقاشاً أوسع بشأن حجم القطاع المصرفي نفسه.

فوجود نحو 38 مصرفاً في اقتصاد تعرض لانكماش حاد ودمار واسع يطرح سؤالاً حول قدرة السوق على دعم هذا العدد من المؤسسات بكفاءة.

وقد تؤدي عملية إعادة الهيكلة إلى قطاع أصغر عدداً وأكثر تركيزاً، مع مصارف أكبر من حيث رأس المال والأصول وقاعدة العملاء.

لكن تقليص العدد يحمل بدوره مخاطر.

فالاندماجات المفرطة قد تقلل المنافسة، بينما قد يؤدي إغلاق بعض المصارف أو الفروع إلى تراجع الوصول إلى الخدمات المالية في الولايات والمناطق الريفية.

كما أن السودان يحتاج، في مرحلة إعادة الإعمار، إلى نظام مصرفي قادر على تمويل الشركات والمشروعات والبنية التحتية والتجارة الخارجية، وليس فقط إلى بنوك تستوفي الحد الأدنى التنظيمي لرأس المال.

وهنا يصبح نجاح خطة المركزي مرتبطاً بما سيأتي بعد الرسملة: معالجة الديون المتعثرة، واستعادة الأصول، وتطوير أنظمة الدفع، وتعزيز الرقابة، وإعادة بناء الثقة بين الجمهور والمصارف.

اختبار نهاية 2026.. الأسئلة أكبر من رأس المال

الأشهر المقبلة ستكشف مدى قدرة المصارف السودانية على الاستجابة للمتطلبات الجديدة.

بعض المؤسسات قد تتمكن من زيادة رأسمالها.

وأخرى قد تتجه إلى شركاء أو مساهمين جدد.

وقد تظهر تحالفات واندماجات تعيد تشكيل أسماء وأحجام البنوك الموجودة حالياً.

أما احتمال التصفية، فيظل حتى الآن سيناريو ورد في تقرير صحفي نقلاً عن مسؤول غير مسمى، ويحتاج إلى قرار أو تعميم رسمي قبل التعامل معه باعتباره إجراءً مؤكداً.

لكن الاتجاه العام أصبح واضحاً بالفعل من منشور البنك المركزي: مرحلة استمرار المصارف بهياكلها الرأسمالية السابقة تقترب من نهايتها.

وبذلك لا يتعلق اختبار 2026 فقط بقدرة كل بنك على جمع 140 أو 230 مليار جنيه.

إنه اختبار لقدرة النظام المصرفي السوداني بأكمله على الانتقال من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد يحتاج إلى تمويل إعادة الإعمار واستعادة النشاط والاستثمار.

ويبقى أمام بنك السودان عدد من الأسئلة التي ستصبح أكثر إلحاحاً كلما اقتربت نهاية العام:

كم مصرفاً استوفى بالفعل الحد الأدنى الجديد لرأس المال؟

وكم مصرفاً يحتاج إلى الاندماج؟

وهل توجد مؤسسات وصلت إلى مرحلة يصبح فيها استمرارها غير ممكن؟

وإذا بدأت عمليات التصفية، فما الضمانات التي ستُمنح للمودعين؟

الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كانت الإجراءات الحالية مجرد عملية لرفع رؤوس الأموال، أم بداية أكبر إعادة رسم لخريطة القطاع المصرفي السوداني منذ سنوات.

اقرأ ايضا

60 مليون يورو تهدد برشلونة.. ماذا تخفي أرقام النادي القياسية؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى